لم تكن بداية الحياة سهلة للطفلة شادية الطعاني وهي شابة أردنية ولدت بشللٍ نصفي. ولم يخطر على بالها يوما أن تمارس رياضة ركوب الخيل نتيجة وضعها الصحي. ولكن بالعزيمة والإرادة، لحقت شادية بشغفها لتصبح راكبة خيل محترفة. تقول شادية إنّ الخيل غيّرت حياتها بشكل كامل، وإنّه مهما كانت الصعوبات والتحديات يمكن للفرد أن يتبع شغفه ويذوق طعم النجاح. فهي ولدت بشلل نصفي أثّر على قدرتها الحركية منذ سنواتها الأولى. فالتحديات الصحية رافقتها منذ الطفولة، وفرضت عليها نمطاً مختلفاً من الحياة، مليئاً بالمراجعات الطبية والعلاج الطبيعي ومحاولات التأقلم مع واقع جسدي صعب. لكن مسار هذه الطفلة لم يبقَ حبيس الإعاقة. فمع مرور الوقت، ظهرت فرصة غير متوقعة غيرت حياتها بالكامل، حين تعرّفت على الخيل، لا بوصفه رياضة فقط، بل وسيلة علاج ودعم نفسي وجسدي في آن واحد.
في البداية، لم يكن ركوب الخيل خيارًا مطروحًا. الخوف من السقوط، وصعوبة التوازن، وضعف السيطرة على نصف الجسد، كلها عوامل جعلت الفكرة تبدو بعيدة. إلا أن إصرار الأسرة، وتوصيات مختصين في العلاج الطبيعي، فتحوا الباب أمام تجربة جديدة.
بداية التجربة مع العلاج بالخيل:

بدأت شادية جلسات علاج تعتمد على ركوب الخيل، ضمن برامج علاجية معروفة باسم العلاج الفروسي. هذا النوع من العلاج يستند إلى حركة الحصان الطبيعية، التي تشبه حركة المشي البشري، وتساعد الجسم على إعادة تدريب العضلات والأعصاب. في الجلسات الأولى، اقتصرت التجربة على الجلوس على ظهر الحصان بمساعدة المدربين. ولم تكن هناك أي محاولات للقيادة أو التحكم. حيث أن الهدف الأساسي كان تعويد الجسد على الحركة، وبناء الإحساس بالتوازن. ومع الوقت، بدأت الطفلة تظهر تحسناً ملحوظاً، وأصبحت عضلات الجذع أكثر ثباتاً، وتحسن التوازن تدريجياً. وكذلك فإن القدرة على الجلوس المستقيم لفترات أطول أصبحت ممكنة بالنسبة لها، بعد أن كانت مرهقة في السابق.
تحسن جسدي تبعه تغير نفسي:
لم يقتصر الأثر على الجانب الجسدي فقط، حيث أن التغير النفسي كان واضحاً، إذ أن الطفلة بدأت تشعر بالثقة، وظهر ذلك في طريقة تفاعلها مع جميع المحيطين بها. فالخيل لم يكن أداة علاج فحسب، بل كان رفيقاً يمنحها شعوراً بالأمان. حيث أن التعامل مع الحصان علمها الصبر والتركيز. وكل حركة تتطلب هدوءاً وانتباهاً. هذا التفاعل ساعدها على تحسين التحكم في الجسد، وفي الوقت نفسه عزز لديها الإحساس بالقدرة على الإنجاز. فالمختصون يؤكدون أن العلاج بالخيل يساعد الأطفال ذوي الإعاقات الحركية على تحسين الصورة الذاتية عندهم. إذ أن الطفل لا يشعر بأنه يتلقى علاجاً تقليدياً، بل يعيش تجربة ممتعة ومليئة بالتحدي.
من جلسات علاج إلى ممارسة منتظمة:

بعد أشهر من الانتظام في الجلسات، تحولت التجربة من علاج إلى ممارسة شبه منتظمة. حيث بدأت شادية تتعلم أساسيات ركوب الخيل، مثل توجيه الحصان والتوازن أثناء الحركة، ولكن ضمن حدود قدراتها الجسدية. هذا التطور انعكس على حياتها اليومية. حيث تحسنت قدرتها على المشي لمسافات أطول. وتقلصت حالات التشنج العضلي. كما أصبحت أكثر استقلالية في بعض الأنشطة البسيطة التي كانت صعبة في السابق. حيث أن العلاج بالخيل يعمل على تنشيط الجهاز العصبي، ويحفّز الدماغ على إعادة تنظيم الإشارات العصبية. وهذا ما يفسر التحسن التدريجي في السيطرة الحركية لدى بعض الحالات.
تجارب مشابهة ودعم متزايد:
قصة شادية ليست حالة فردية، ففي دول عدة، تعتمد مراكز تأهيل متخصصة على العلاج بالخيل كجزء من برامج إعادة التأهيل للأطفال المصابين بشلل نصفي أو شلل دماغي.
التجارب المتراكمة تشير إلى أن الانتظام في هذا النوع من العلاج يساعد على تحسين التوازن، وتقوية العضلات، وتقليل التوتر العضلي، إضافة إلى فوائده النفسية والاجتماعية. كما يساهم العلاج بالخيل في دمج الأطفال في أنشطة جماعية، ويمنحهم فرصاً للتفاعل مع مدربين وأطفال آخرين، ما يعزز مهارات التواصل والشعور بالانتماء.
دور الأسرة في نجاح التجربة:
الأسرة لعبت دوراً محورياً في نجاح هذه الرحلة. الدعم المستمر، والصبر، والالتزام بالمواعيد، كلها عوامل ساعدت الطفلة على الاستمرار رغم الصعوبات. إن الخبراء يشددون على أن العلاج بالخيل لا يقدم نتائج فورية بل هو مسار طويل يحتاج إلى متابعة وتقييم مستمر، وتكامل مع العلاج الطبيعي التقليدي، وليس بديلاً عنه.
الخيل كوسيلة أمل لا علاج سحري:

رغم النجاحات التي حققتها الطفلة، يؤكد المختصون أن العلاج بالخيل ليس حلاً سحرياً. النتائج تختلف من حالة إلى أخرى، بحسب درجة الإصابة، والعمر، ومدى الانتظام في الجلسات.
لكن ما لا يمكن إنكاره هو أن الخيل فتح باباً جديداً لهذه الشابة. باباً أعاد تشكيل علاقتها بجسدها، ومنحها مساحة للحلم، بعد سنوات من القيود الجسدية.
مسار حياة تغيّر بهدوء:
اليوم، تنظر شادية إلى نفسها بصورة مختلفة، إذ لم يعد الشلل النصفي العنوان الوحيد لحياتها. فقد أصبحت ترى في الخيل شريكاً في رحلة التغيير، وأداة ساعدتها على اكتشاف قدرات لم تكن تدرك وجودها. هذه القصة تفتح الباب واسعاً أمام النقاش حول أهمية إدماج أساليب علاجية مبتكرة في برامج التأهيل، وتؤكد لنا أن التغيير قد يأتي أحياناً من حيث لا يتوقع أحد، على ظهر حصان مثلاً، بخطوات بطيئة، ولكنها ثابتة.
المصادر:
BBC
رويترز
الغد
الدستور
قرية الإمارات بالوثبة تختتم بطولة التقاط الأوتاد بمشاركة دولية
دراسات لتأسيس رياضة الفروسية في عسير ضمن توجه تنموي رياضي جديد
منافسات قوية في مضمار الميدان بالقريات في موسم السباقات الجديد
الهجن في أوربا .. كيف وصلت سباقات الهجن إلى الطرف الآخر من العالم؟
معايير الاختيار للمشاركة في الدورة 19 لجائزة مغرب الفروسية





Leave a Reply