لم تعد العلاقة بين الإنسان والخيل تقتصر على التدريب والأوامر والحركة الجسدية فقط. فبحسب دراسة علمية حديثة تم الكشف عن بعد أعمق لهذه العلاقة، يتعلق بالمشاعر والروائح والانفعالات غير المرئية. إذ تشير نتائج الدراسة إلى أن الخيول قادرة على شم رائحة الخوف لدى البشر، وتتأثر بها سلوكياً ونفسياً. حيث أن هذا الاكتشاف يفتح باباً جديداً لفهم التفاعل اليومي بين الفرسان وخيولهم، سواء في الرياضة أو في التدريب أو الرعاية.
الخوف ليس شعور صامت:
يعتقد كثيرون أن الخوف إحساس داخلي لا يلاحظه الآخرون، لكنه في الحقيقة يترك آثاراً كيميائية واضحة. فعند شعور الإنسان بالخوف، يفرز الجسم مركبات متطايرة عبر العرق، تحمل إشارات فسيولوجية مميزة. إذ أن هذه الدراسة أوضحت أن الخيول قادرة على التقاط هذه الإشارات عبر حاسة الشم المتطورة لديها. والنتيجة لا تتوقف عند هذا الاكتشاف فقط، بل هي تمتد إلى تغير واضح في سلوك الخيل واستجابتها للمحيط.
كيف أُجريت الدراسة؟
اعتمد الباحثون في الدراسة على سلسلة اختبارات سلوكية دقيقة شملت مجموعات من الخيول في بيئة مراقبة. حيث جمع الفريق البحثي عينات من روائح عرق أشخاص شاهدوا مشاهد تثير الخوف، وأخرى لأشخاص شاهدوا مشاهد مبهجة.
ومن ثم عُرضت الروائح على الخيول دون أي تفاعل بصري أو صوتي مع البشر. حيث أن الهدف كان عزل عامل الرائحة فقط، لمعرفة تأثيره المباشر على سلوك الحيوان.
تغيرات واضحة في سلوك الخيول:

أظهرت الخيول التي تعرضت لرائحة الخوف علامات توتر ملحوظة خلال وقت قصير. فقد ارتفع معدل ضربات القلب لديها، وقلت رغبتها في الاقتراب من المدربين أو التفاعل معهم.
بالمقابل، بدت الخيول أكثر هدوءاً واستقراراً عند تعرضها لروائح مرتبطة بمشاعر إيجابية. إن هذا التباين السلوكي أكد أن الرائحة وحدها كافية لإحداث استجابة نفسية واضحة.
تفسير علمي للنتائج:
يفسر الباحثون هذه الاستجابة بقدرة الخيول المتطورة على رصد الأخطار في بيئتها. حيث أنه في الطبيعة، تعتمد الخيول على الإشارات الكيميائية لاكتشاف التهديدات قبل وقوعها.
بالتالي فإن رائحة الخوف قد تفسر لدى الخيل كتحذير من خطر قريب و وشيك، حتى لو لم يكن موجوداً فعلياً. إن هذا التفاعل يعكس آلية دفاعية قديمة ساعدت الخيول على البقاء حية والنجاة من المخاطر العديدة التي مرت بها عبر آلاف السنين.
رأي الباحثين المشاركين:
قالت الدكتورة ليا لانساد، الباحثة في جامعة تور، إن هذه النتائج تؤكد على الترابط العاطفي بين البشر والحيوانات.
وأوضحت أن الإنسان ينقل مشاعره إلى الحيوانات دون وعي منه، وهذا ما يؤثر بشكل مباشر في حالتها النفسية. ومن جهتها، أشارت الدكتورة بلوتين غاردا إلى أهمية وعي الفرسان بمشاعرهم قبل التعامل مع الخيول. وأضافت أن التحكم بالمشاعر قد يكون عاملاً أساسياً في تحسين سلامة التدريب وجودة الأداء.
ماذا يعني ذلك لعالم الفروسية؟
تحمل هذه النتائج دلالات مهمة جداً لكلٍ من الفرسان، والمدربين، و أيضاً العاملين في مجال رعاية الخيول. حيث أن الحالة النفسية للإنسان لم تعد مسألة شخصية، بل عامل مؤثر في سلوك الحيوان وأمانه. وقد يفسر هذا الاكتشاف بعض حالات التوتر غير المبررة لدى الخيول أثناء التدريب أو المنافسات.كما أنه يسلط الضوء على أهمية الإعداد النفسي للفارس، وليس فقط الإعداد البدني والتقني.
تطبيقات عملية في التدريب والرعاية:

ينصح المختصون بدمج برامج الوعي النفسي ضمن خطط تدريب الفرسان. إذ أن أشياء مثل الهدوء، والتنفس المنتظم، وضبط القلق، قد تساعد في خلق بيئة أكثر أماناً للخيل.
كما يمكن أن يستفيد الأطباء البيطريون ومدربو السلوك الحيواني من هذه النتائج في فهم الروابط العاطفية والذي يمكن بدوره أن يساعد في علاج حالات القلق المزمن أو السلوك العدواني لدى الخيول.
الخيول ليست وحدها التي تشم خوف البشر:
تشير دراسات سابقة إلى أن الكلاب أيضا تشم الخوف البشري وتتفاعل معه سلوكياً. حيث أن الكلاب تصبح أكثر يقظة أو أكثر دفاعية عند استشعار خوف أصحابها أو الأشخاص المحيطين بها. إن هذا التشابه بين الحيوانات يعزز الفكرة القائلة أن المشاعر البشرية تترك أثراً بيئياً محسوسا. إذ أن العلاقة بين الإنسان والحيوان أعمق بكثير مما تبدو عليه، فهي تتجاوز الكلمات والحركات الظاهرة.
خطط لدراسات أوسع:
يخطط الباحثون لتوسيع نطاق هذه الدراسات لتشمل مواقف واقعية في مختلف ميادين الفروسية. كما أنهم يدرسون تأثير روائح مشاعر أخرى مثل الغضب أو القلق أو الحزن. الهدف من ذلك كله هو بناء فهم أشمل للتواصل غير اللفظي بين الإنسان والحيوان. فهذا الفهم قد يغير كثيراً من طرق التدريب والرعاية، ويعزز أيضاً من عوامل السلامة والرفق بالحيوان.
تكشف لنا هذه الدراسة أن الخوف ليس مجرد إحساس داخلي، بل رسالة كيميائية تنتقل بصمت. حيث أن الخيول تلتقط هذه الرسالة، وتستجيب لها بطريقتها الفطرية الخاصة. ففي عالم الفروسية، يصبح الوعي بالمشاعر جزءاً من المسؤولية المهنية.
فالهدوء والثقة لا يؤثران في الفارس فقط، بل أيضاً ينعكسان مباشرة على الخيل التي تقف إلى جانبه.
المصادر:
صحيفة الغارديان البريطانية
جامعة تور الفرنسية
وكالة رويترز
منافسات كأس الشيخة فاطمة بنت منصور للقدرة تنطلق اليوم
كيف غيّرت الخيل مسار حياة طفلة وُلدت بشلل نصفي
دراسات لتأسيس رياضة الفروسية في عسير ضمن توجه تنموي رياضي جديد
بين الطبيعة والتحدي .. سباقات الخيل و تأثير العوامل الجوية عليها
أسرار تفوق أيرلندا في تربية الخيول الأصيلة وتصديرها
جائزة الملك عبد الله الإنسانية للخيل وجوائز مخصصة للفائزين وللجمهور





Leave a Reply