في أعماق الشتاء، عندما تنخفض درجات الحرارة إلى ما دون الصفر، تتجمع خيول جزيرة يوروري قبالة الساحل الشرقي لهوكايدو لتتدفأ معاً فوق السهول المغطاة بالثلوج، بينما يتصاعد بخار أنفاسها في الهواء البارد. تبحث عن ملاذ داخل تجاويف الأودية حين تعصف الرياح، ثم تعود للرعي بهدوء فوق الحقول الثلجية عند ظهور الشمس. ومع غطاء خفيف من الثلج، فإنها لا تزال تجد غذاءها الشتوي بسهولة، وهو براعم عشب الخيزران.
حيث تتميز الجزيرة بأراضٍ عشبية مفتوحة في معظمها، فيما تنتهي غالبية سواحلها الممتدة على ثمانية كيلومترات بجروف صخرية شاهقة. لا يسمح بالنزول إلى الجزيرة إلا للباحثين، ولا تبدي الخيول أي خوف من الزوار البشر، إذ تراقبهم بهدوء دون طلب الطعام منهم ولا حتى القيتم بمحاولة الهروب من أمامهم.
جزيرة يوروري جنة هوكايدو الآفلة:
تقع يوروري على بعد 2.6 كيلومتر من ميناء كونبوموري للصيد في شبه جزيرة نيمورو. ومن البر الرئيسي تبدو كقرص مسطح منخفض. وفي فصلي الربيع والصيف، كثيراً ما تخفيها الضبابات البحرية الكثيفة، لذلك تعرف باسم “الجزيرة الشبح” فهناك تجد خيولاً تعيش بحرية تامة، دون أي قيود.

الجزيرة الخالية وطرق الخيول:
لا توجد طرق أو منازل في الجزيرة، والمنشأة الوحيدة التي صنعها الإنسان هي منارة تقف في مركزها. ليلًا، يلقي ضوؤها وهجاً ناعماً فوق الظلام. حيث يمكنك تتبع القطيع حتى الفجر، مسترشداً بضوء القمر ودوران شعاع المنارة. ومن الأعلى، تبدو الحقول العشبية محفورة بخطوط دقيقة تشبه عروق الأوراق. هذه المسارات هي طرق الخيول، إذ تشكلت بفعل مرورها المتكرر عبر سنوات طويلة. ومع قدوم الربيع، تتخلص الخيول من فرائها الشتوي، وتفرك أجسادها ببعضها البعض، في سلوك اجتماعي يعزز من الروابط والصلات داخل القطيع. وتبدأ الأزهار البرية بالظهور من تحت الثلوج الذائبة، كاشفة عالماً من الجمال الهادئ، يضم أنواعاً مهددة بالانقراض مثل زهرة الأوركيد المستنقعية، والتوت البري الصغير، ونبات البوغونيا، التي تتفتح بهدوء وسط العشب.
خيول يوروري ودورهاوفي تاريخ المكان:
تنحدر خيول يوروري من سلالة نيهون كوشيرو، وهي خيول جر قوية تتميز بأرجل متينة وصدور عريضة وعضلات قوية. في مطلع القرن العشرين، أعطت الحكومة اليابانية أولوية لتربية الخيول باعتبارها ركيزة أساسية للقوة العسكرية والصناعية. وقد عمد حينها مربو الخيول في شرق هوكايدو إلى تهجين خيول دوسانكو المحلية مع سلالات أوروبية، ما أدى في النهاية إلى إنتاج خيول تعود جذورها إلى خيول بيرشيرون الفرنسية.
حيث كانت هذه الخيول مناسبة تماماً لحجم القائمين على العمل في اليابان، كما أنها أدت دوراً أساسياً في استصلاح براري هوكايدو ونقل الإمدادات خلال فترات الحرب. حيث اعتبرت أول سلالة يابانية محسنة ناجحة على المستوى الوطني.
الخيول ودور أساسي في الصناعة اليابانية:
تمثل هذه الخيول شهود أحياء على مرحلة تاريخية كانت فيها الصناعة اليابانية وحياة الناس مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالخيل.
حيث كانت الجزيرة في السابق مركزاً نشطاً لحصاد عشب البحر، وضمت في أوجها نحو عشرة أكواخ صيد. واعتمد الصيادون على الخيول في نقل كميات كبيرة من عشب البحر إلى أماكن التجفيف أعلى الجروف، إضافة إلى نقل المؤن الأساسية. جلب أول حصان إلى الجزيرة قرابة عام 1950.
لكن مع دخول اليابان مرحلة النمو السريع، بدأ الصيادون بالعودة إلى البر الرئيسي حيث تتوفر مساحات أوسع لتجفيف الأعشاب البحرية. و غادر آخر السكان الجزيرة عام 1971. وبقيت عدة خيول خلفهم، ومع التكاثر الطبيعي، ارتفع عددها لاحقاً إلى نحو ثلاثين حصاناً. وبفضل وفرة عشب الخيزران وتوفر مصادر المياه العذبة، تحولت الجزيرة إلى ملاذ طبيعي مثالي لهذه الحيوانات. وقد كان السكان السابقون يعودون بين الحين والآخر للاطمئنان على القطيع وإدارته. ومع تقدمهم في السن، أصبح الاهتمام بالخيول أكثر صعوبة. وفي عام 2006، انتهى دور يوروري كمرعىً طبيعي، ونقلت الفحول خارج الجزيرة. وبقي القطيع مكوناً من أفراس فقط، ليبدأ بالانحسار تدريجياً.
حيث لم يتجاوز عدد القطيع في عام 2011، الاثني عشر. وفي 2013 انخفض العدد إلى عشرة، ثم إلى خمسة في 2014. وبحلول عام 2022، لم يبق سوى حصانين ولدا ونشآ على الجزيرة. وهما بدورهما سيختفيان يومًا ما.
بساط من الأزهار البرية:
يؤدي الوصول إلى قمة جروف الجزيرة إلى مشهد ضبابي أشبه بحلم بعيد. تشبه يوروري الجنة، ليس فقط بسبب خيولها البرية الحرة، بل أيضا بسبب الأزهار الملونة التي تزين الحقول صيفاً.
وتظهر في الجزيرة ظاهرة “حديقة الزهور”، إذ يؤدي أكل الخيول للأعشاب الطويلة إلى ازدهار الزنابق والأوركيد منخفضة النمو، فتتحول المروج إلى بساط أخضر مطرز بزهيرات دقيقة.
تسجل الجزيرة ظاهرة نباتية لافتة، حيث تنتج بعض النباتات التي تزهر عادة باللون البنفسجي أزهاراً بيضاء أيضًا، مثل زنابق الهوستا، وأوركيد النمر، وإبرة الراعي، والجرس، ونبات الشفاء الذاتي، والبيقية الزغبية.
تدعم الجزيرة أربعًا وعشرين فصيلة مهددة بالانقراض:
من الربيع إلى الصيف، يلتقي الهواء الدافئ الرطب القادم من المحيط الهادئ بالمياه الباردة لتيار الكوريل، فيغطي الجزيرة بضباب كثيف. وفي مركزها تقع مستنقعات مرتفعة تشكلت من طبقات كثيفة من التراكم عبر الزمن. هذه النظم البيئية توجد عادة في مناطق جبلية، لكنها تظهر هنا على ارتفاع لا يتجاوز أربعين مترًا. تدعم هذه البيئة الفريدة أربعًا وعشرين فصيلة مهددة بالانقراض. ويعد الماء المخزن في هذه المستنقعات شريان الحياة للخيول، التي يعود بقاؤها إلى هذا التوازن البيئي الدقيق.
جزيرة الغاق:
يعود اسم يوروري إلى لغة الأينو، ويعني “جزيرة الغاق”. صنفت هوكايدو الجزيرة معلمًا طبيعيًا عام 1963، ثم منطقة محمية عام 1976، ومحمية وطنية للحياة البرية عام 1982، وأدرجتها وزارة البيئة ضمن 500 منطقة رطبة مهمة في اليابان عام 2001، ويرجع ذلك أساسا إلى الطيور البحرية النادرة التي تعيش حولها. من أبرز هذه الطيور طائر الغاق ذو النظارة، إضافة إلى طائر البفن المتوج الذي تأكد تعشيشه في يوروري وجزيرة مويروري المجاورة. ومع انقشاع الضباب، يحل خريف عابر، تتحول خلاله الحقول إلى لون ذهبي، وتبدأ الخيول بإنبات فرائها الشتوي استعدادًا للبرد القارس.
قبل أن تختفي الخيول واحدة تلو الأخرى. فإن مشاهدة هذا الزوال مؤلمة، لكنها تترك أثرًا عميقًا من الجمال العابر.
آخر سلالات الخيول التي دعمت حياة المجتمعات المحلية في شمال شرق اليابان بعد الحرب، تجد نفسها اليوم منسية أمام زحف الزمن. ومع اختفائها التدريجي، يبقى السؤال مفتوحًا: ماذا سترى آخر فرسة عندما تنظر للمرة الأخيرة عبر الجزيرة؟
حتى صيف 2025، تضم جزيرة يوروري حصانين مولودين في الجزيرة، إضافة إلى فرستين أدخلتا عام 2018.
المصدر:
nippon.com
الفروسية العربية في عام 2025 حضورٌ لافت وتطورات واعدة
من هي الخيول التي صنعت فارقاً في عام 2025؟
تفاصيل المؤتمر الآسيوي الحادي والأربعين لسباقات الخيل
توقيع مذكرة تفاهم جديدة بين وزارة التعليم وهيئة الفروسية
مشروع جديد لتربية وإنتاج الخيل في الدمام
مشاركة 302 خيل في بطولة عجمان لجمال الخيول العربية 2026
موسوعة الخيل والفروسية مرجع عربي شامل عن عالم الخيول وعلاقته بالبشر
كوديلاريا هنريكي أبكاسيس المدرسة والمزرعة البرتغالية المتخصصة في الخيول
أمير الشرقية يسلم كأس الأمير نايف بن عبدالعزيز في سباقات ميدان الملك عبدالعزيز بالرياض





Leave a Reply