بعد نحو قرن من تراجع الخيول أمام الدبابات والمركبات المدرعة والمروحيات، تعود الخيول إلى نقاشات الجيوش الحديثة من زاوية مختلفة. لا يتعلق الأمر بإحياء سلاح الفرسان بصورته التقليدية، ولا باستبدال الآليات العسكرية بالخيل، بل باختبار قدرتها على أداء مهام محددة في بيئات يصعب على المركبات الوصول إليها أو التحرك فيها دون لفت الانتباه.
ويأتي هذا الاهتمام في وقت غيّرت فيه المسيّرات وأنظمة التصوير الحراري طبيعة الحركة على الأرض. وأصبحت المركبات العسكرية أكثر عرضة للرصد من الجو، ما دفع بعض الجيوش إلى إعادة تقييم وسائل كانت قد خرجت من الحسابات العسكرية منذ عقود.
تجربة بريطانية تعيد الخيل إلى الميدان
اختبر الجيش البريطاني خلال عام 2026 استخدام الخيول في بيئات حرجية، ضمن تدريبات هدفت إلى قياس قدرتها على الحركة والملاحة في تضاريس صعبة. وشاركت وحدات من الخيالة الملكية في تدريبات داخل مناطق غابات قرب أكاديمية ساندهيرست.
وقد تضمنت التدريبات استخدام الخريطة والبوصلة بدل الاعتماد على أنظمة الملاحة الرقمية، إلى جانب التحرك على ظهور الخيل في مناطق كثيفة الأشجار والطين. ويهدف هذا النوع من التدريب إلى اختبار مهارات الفرسان في ظروف تختلف كثيرًا عن المراسم والمهام الاحتفالية التي يرتبط بها ظهور الخيول العسكرية البريطانية عادةً.
وكان الجيش البريطاني قد أشار إلى أن الفكرة تأثرت بتجربة في إستونيا، حيث شكّل متطوعون وحدة محمولة على الخيل ضمن رابطة الدفاع الإستونية. ويرون أن الخيول تستطيع التحرك في الغابات والمناطق المستنقعية التي قد تواجه فيها المركبات الثقيلة صعوبات أكبر.
لماذا الخيل في عصر المسيّرات؟
تبدو الفكرة للوهلة الأولى متناقضة. فبينما تستثمر الجيوش مليارات الدولارات في الذكاء الاصطناعي والمسيّرات وأنظمة الاستشعار، تعود إلى حيوان استخدم في الحروب قبل ظهور المحركات.
لكن المسألة ترتبط بطبيعة البيئة وليس بالتفوق التقني. فالحصان لا يحتاج إلى طريق معبّد أو محرك أو وقود، ويمكنه عبور مسارات ضيقة ومناطق حرجية ووعرة. كما أن حركته تختلف عن المركبة العسكرية من حيث البصمة الحرارية والصوتية وطبيعة الظهور في البيئة.
ونقلت الجزيرة عن تقرير لصحيفة “تايمز” أن الجيش البريطاني يدرس هذه الميزة في ظل انتشار التصوير الحراري بالأشعة تحت الحمراء. ويرى ضباط مشاركون في التجربة أن حركة الحصان قد تبدو في بعض الظروف أقرب إلى حركة حيوان طبيعي منها إلى مركبة عسكرية.
لكن ذلك لا يعني أن الخيل تصبح غير قابلة للرصد. فقد كشفت التدريبات البريطانية نفسها عن بعض المشكلات، منها انعكاس أجزاء معدنية من معدات الخيل للضوء، وهو ما يمكن أن يلفت الانتباه.
تجارب سبقت بريطانيا
لم تبدأ عودة الخيل إلى البيئات العسكرية مع التجربة البريطانية الحالية. فقد استخدمت القوات الخاصة الأميركية الخيول في أفغانستان للتنقل في المناطق الجبلية الوعرة، حيث لم تكن المركبات خيارًا عمليًا دائمًا.
كما أورد تقرير الجزيرة، نقلاً عن “تايمز”، أن قوات روسية استخدمت الخيول والحمير في الحرب في أوكرانيا لنقل أفراد وإمدادات في بعض المناطق، في محاولة لتقليل الاعتماد على المركبات التي يمكن للمسيّرات اكتشافها. وهذه الاستخدامات تختلف عن مفهوم سلاح الفرسان التقليدي، إذ ترتبط أساسًا بالنقل والحركة في التضاريس الصعبة.
وتشير هذه الأمثلة إلى أن الحيوانات لم تختفِ بالكامل من المجال العسكري، حتى بعد انتشار المركبات. فقد احتفظت بعض الجيوش باستخدام الحيوانات في مهام محدودة عندما تفرض الجغرافيا ظروفًا لا تناسب الآليات.
تدريب مختلف للفارس الحديث

التجربة البريطانية لا تختبر قدرة الحصان وحده، بل تختبر أيضًا مهارات الجندي. فالفارس مطالب بالتحكم بحيوان قوي ومتغير الاستجابة، بينما يقرأ الخريطة ويحدد الاتجاه ويتعامل مع البيئة المحيطة.
ويعد هذا تحديًا مختلفًا عن قيادة مركبة عسكرية. وقد وصفت القوات البريطانية الملاحة على ظهر الخيل بأنها تجمع بين التحكم بالحيوان واتخاذ القرار والحركة في التضاريس في الوقت نفسه. كما تدرب الجنود على تكييف إشارات اليد المستخدمة أثناء الحركة بحيث يمكن تنفيذها أثناء الإمساك بلجام الحصان.
وتحتاج الخيول العسكرية بدورها إلى منظومة متخصصة من التدريب والرعاية. ويضم الجيش البريطاني بالفعل وحدة لتدريب الخيول والعاملين معها، إلى جانب مدرسة متخصصة في الحدادة البيطرية وخدمات بيطرية للحيوانات العاملة في القوات المسلحة. وتضم مرافق التدريب البريطانية مئات الخيول بين الإسطبلات والمراعي.
عودة محدودة لا إحياء لسلاح الفرسان
رغم الاهتمام بهذه التجارب، لا تشير المعطيات إلى عودة الخيل بوصفها بديلًا للدبابات أو المركبات المدرعة. فالخيل لا توفر الحماية أو القوة النارية أو القدرة اللوجستية التي تقدمها المنصات العسكرية الحديثة.
وتظل حاجتها إلى الغذاء والماء والرعاية البيطرية، إضافة إلى حساسيتها للضوضاء والظروف القتالية، عوامل تحد من استخدامها. كما أن قدرتها على الحركة لا تجعلها مناسبة لكل البيئات أو المهام.
الأقرب أن الجيوش تنظر إليها باعتبارها منصة حركة متخصصة يمكن استخدامها عندما تكون التضاريس عاملًا حاسمًا. وهذا يفسر لماذا تأتي التجارب الجديدة في الغابات والمناطق الوعرة، وليس في ساحات المعارك المفتوحة التي تهيمن عليها المدرعات والمسيّرات.
التكنولوجيا تعيد اكتشاف أدوات قديمة
تكشف عودة الخيل إلى بعض التدريبات العسكرية عن تحول أوسع في التفكير العسكري. فالتقدم التقني لا يعني بالضرورة التخلي الكامل عن الوسائل القديمة، بل قد يجعل بعض خصائصها مفيدة من جديد عندما تتغير طبيعة التهديد.
وتقول القوات البريطانية إن التجربة لا تتعلق بإعادة الماضي، بل بتطوير قدرة الجنود على التكيف مع بيئات مختلفة. وفي هذا السياق، يصبح الحصان وسيلة إضافية ضمن مجموعة واسعة من الخيارات، لا رمزًا لعودة الحرب القديمة.
وبالنسبة إلى عالم الفروسية، تحمل هذه التجارب دلالة أخرى. فهي تذكّر بأن العلاقة بين الإنسان والحصان لم تختفِ مع نهاية عصر الفرسان. تغيرت الوظيفة، وتغيرت التكنولوجيا، لكن قدرة الخيل على الحركة في التضاريس الطبيعية ما زالت تمنحها قيمة في ظروف محددة.
وقد يكون هذا هو الدرس الأهم من التجربة: في عصر المسيّرات والذكاء الاصطناعي، لا تختفي الأدوات القديمة بالضرورة. أحيانًا تعود عندما تتغير المشكلة التي يبحث الإنسان عن حل لها.
المصادر:
الجزيرة نت
Defence Animal Training Regiment.
Horse & Hound.
ترامواي بالخيول في ديزني لاند باريس.. رحلة قصيرة تعيد زمن العربات القديمة
التشوليب يعود إلى المنافسة في أبوظبي بمشاركة الفرسان والفارسات
مشهد مستغرب أصبح له حضور متزايد.. كيف دخلت المرأة ميدان التبوريدة المغربية؟
حقل تحتفي باليوم الوطني بمسيرات الخيل والهجن





Leave a Reply