في إسبانيا وفي شهر يناير من كل سنة، يعود طقس قديم تشهده قرية سان بارتولوميه دي بيناريس التي تقع وسط إسبانيا. يجذب هذا الحدث الزوار والسكان المحليين لمشهد غير معتاد، حيث تمتطى الخيول وتقفز عبر نيران مشتعلة في شوارع مرصوفة بالحجارة. هذه الفعالية السنوية، التي تُعرف باسم لاس لومينارياس، تقام عشية عيد القديس أنطونيوس الكبير الذي يُعتبر شفيع الحيوانات الأليفة والماشية في التراث الإسباني.
طقوس الاحتفال:

هي مناسبة تمتد جذورها لقرون طويلة وتجمع حولها قصص وعادات ترتبط بالتراث والدين والثقافة الشعبية.
ففي مساء السادس عشر من يناير من كل عام، ينساب الناس في طرقات القرية الصغيرة التي يبلغ تعداد سكانها نحو 500 نسمة، ويبدأ التجمع في تحضير حُزم من الحطب والأخشاب التي تُرتب على جانبي الشوارع. مع حلول الظلام تُضاء هذه الحُزم وتتحول إلى نيران عالية تملأ الهواء بالدخان. في هذا الجو الاحتفالي العابق برائحة الدخان والنيران، يمتطي الفارس خيله ويتقدم به نحو تلك النيران المشتعلة والساخنة ليقفز ب في النار ويتجاوزها في مشهد يثير الدهشة ويجذب الأنظار.
أصل الطقس وتطوره:
يربط مؤرخون محليون طقس لاس لومينارياس بفترات قديمة عندما كانت حياة المزارعين والحيوانات تعتمد على العمل في الحقول واستمرار الصحة الجيدة للماشية. حسب الروايات المتداولة في القرية، أدت أمراض مجهولة إلى انتشار الوباء بين الخيول والحمير قديماً، فاعتقد الناس أن الدخان والنيران يمكن أن تطهر وتحمي الحيوانات من الأمراض وتجعلها قوية للعمل والعيش حتى السنة التالية.
ويقول بعض المؤرخين إن هذا التقليد ربما كان ممارسة وثنية في الأصل، وربما كان مرتبطاً بطقوس تطهير النار والدخان لدى الشعوب القديمة في المنطقة قبل أن يتم دمجه في الاحتفال المسيحي بعيد القديس أنطونيوس. هذه المهرجانات القديمة كانت، في كثير من المجتمعات الريفية، وسيلة لجمع الناس معًا في فصل الشتاء الطويل.فالناس في هذا الفصل يجتمعون للنقاش وتناول الطعام والمشروبات ومشاركة لحظات الفرح والأمل.
تجارب الخيول وتحضيرات الفروسية:
قبل أن يشرع الخيّالة في جعل خيولهم تقفز عبر النيران، يجري إعداد الحيوانات بعناية كبيرة لهذا الحدث. إذ يقوم الفارس بربط ذيول الحصان بشريط مقاوم للحريق، ويجدل أعراف الخيول بطريقة محكمة لتقليل مخاطر الاحتراق.
كذلك يستخدم بعض الخيّالة طلاء واقٍ خاص على شعر الحصان لحمايته من الشرر أو اللهب، بينما يضيف آخرون أشرطة ملونة وزينات احتفالية تضفي لمسة من البهجة على المشهد.
رأي الناس بهذا الطقس:
تتفاوت آراء الناس حول هذه الممارسة، فبينما يصفها بعض الزوار بأنها لحظة من الجرأة والتحدي يترقبها الصغار والكبار باهتمام، يرى آخرون فيها احتفالًا بالحياة والعودة إلى الجذور الثقافية للقرية. وقد أعيد إحياء هذا التقليد في السنوات الأخيرة بعد أن كان مهدداً بالاختفاء في ستينيات القرن الماضي بسبب نزوح الشباب إلى المدن.
حضور الناس والجو الاحتفالي:
تتحول ليلة لاس لومينارياس إلى مناسبة اجتماعية بامتياز، إذ يجتمع الناس في الساحات والشوارع ليشاهدوا الخيول وهي تقفز عبر النيران أو تتخطى الجمر المنتشر من حولها. كذلك يتبادل السكان الزيارات ويشاركون في تبادل القصص والمشروبات والحلويات المحلية. كل هذه الأحواء تسهم في تعزيز التواصل الاجتماعي وإعادة الروابط بين أفراد المجتمع في قرية تكاد تكون مهجورة معظم أيام السنة.
لذا فإن الفعالية ليست مجرد تظاهرة لقفز خيول عبر النار فحسب، بل تحمل أيضاً معاني رمزية عميقة تمزج بين الإيمان بالحماية والشفاء وبين الفرح والولاء للتقاليد القديمة. يؤمن السكان بأن هذه اللحظة تحمل نوعاً من البركة للخيول ولأصحابها، في حين يستمتع المشاهدون بالإثارة والمعنى الثقافي وراء الطقس.
الجدل وردود الأفعال:
رغم امتداد المهرجان لقرون طويلة، إلا أن انتقادات منظمات حماية الحيوان لا تتوقف حول العالم. حيث يرى كثير من النشطاء أن فكرة جعل الخيول تقفز عبر النيران يمكن أن تكون مؤلمة أو مرهقة للحيوانات. وقد عبر بعضهم عن مخاوفهم عبر عدد من سائل الإعلام. بينما يدافع السكان المحليون عن هذه الممارسة، مؤكدين أن الخيول تخضع لعناية كبيرة وأنها نادرًا ما تتعرض للأذى، وأن الفعالية تقام بشكل مسؤول من قبل من يعرفون خيولهم جيدًا.
في المقابل، هناك جانب آخر من الاحتفالات في إسبانيا في ذلك التوقيت. وهو يشمل أيضاً يوم القديس أنطونيوس حيث تقام في الكنائس طقوسا دينية. إذ يقوم أصحاب الحيوانات الأليفة مثل الكلاب والقطط بإحضارها إلى الكنيسة من أجل تلقي الماء المقدس والتبريك، في طقس يعتقد متبعيه أنه يجلب الصحة والحماية لهم على مدار السنة.
التراث الثقافي والهوية:
لطالما شكل مهرجان لاس لومينارياس جزءاً من الهوية الثقافية لسكان سان بارتولوميه دي بيناريس، وقد ساهم في إبراز التراث الريفي الإسباني أمام زوار من خارج القرية. حيث يجذب الحدث المصورين والسياح وعشاق الثقافة الشعبية لمشاهدته عن قرب والمشاركة في طقوسه. الأمر الذي يساهم في دعم الاقتصاد المحلي وصيانة جزء من التاريخ الذي ربما اندثر في غير مكان.
ومع مرور السنوات، حافظت هذه التقاليد على حضورها رغم التغيرات الاجتماعية والاقتصادية. إذ يظل هذا الاحتفال السنوي فرصة لاستعادة الذاكرة الجماعية التي تربط بين الأجيال وتجسيد الاحترام للماشية التي لعبت دوراً مهماً في تاريخ ريف إسبانيا.
نهاية الاحتفال والعودة إلى الحياة اليومية:
مع بزوغ الفجر في اليوم التالي، تنطفئ النيران وتعم الأجواء رائحة الدخان في القرية بأكملها، بينما يعود الزوار إلى منازلهم وأسرهم محملين بالقصص والصور والحكايات. يعود السكان إلى حياتهم اليومية في أجواء جعلتهم أكثر دفئاً وقرباً من بعضهم البعض بعد أن شاركوا في لحظة جمعت الحكمة القديمة والاحتفال الجماعي والعلاقات الإنسانية.
المصادر:
الجزيرة
الشرق
CNN Arabic
الفرسان المشاركون في تحدّي الخيّالة العالمي 2026 الحدث الفريد من نوعه في العالم
الجولة الثالثة من جائزة سمو الأمير الوالد تنطلق اليوم
لأول مرة جولات لونجين العالمية تحت سفح الأهرامات
دليلك لشراء خوذة الفروسية: معايير الأمان، المقاسات، والشهادات المعتمدة
أسرار تفوق أيرلندا في تربية الخيول الأصيلة وتصديرها
5 اتجاهات مفاجئة تعيد تشكيل عالم الخيول الحديث
الخيول السماوية خيول صينية تجعل من تشاوسو وجهة سياحية فريدة





Leave a Reply