قد يبدو المرعى الأخضر بالنسبة إلى الحصان المكان الأكثر أمانًا وطبيعية للحصول على غذائه. لكن هذا المشهد الهادئ قد يخفي مخاطر لا يلاحظها المربي بسهولة. فبين الأعشاب والنباتات التي تبدو مألوفة، يمكن أن توجد أنواع تحتوي على مركبات سامة قادرة على التسبب في اضطرابات هضمية، أو ضعف عضلي، أو تسمم سريع، أو التهاب الصفائح الحساسة في الحافر، وفي بعض الحالات قد تهدد حياة الحصان.
وتشير مصادر الإرشاد البيطري وإدارة المراعي إلى أن خطر التسمم بالنباتات لا يرتبط بوجود النبات السام وحده، بل يتأثر بمدى انتشاره، ودرجة سميته، والجزء الذي يتناوله الحصان، وحالة النبات، وكمية العلف المتاح في المرعى.
فالخيول غالبًا ما تتجنب كثيرًا من النباتات غير المستساغة عندما يتوافر لها علف جيد بكميات كافية، لكن احتمالات تناولها ترتفع مع الجوع، والجفاف، والرعي الجائر، أو بعد سقوط أغصان وأشجار داخل الحقول بسبب العواصف.
البرسيم الأحمر.. عندما يتحول المرعى إلى سبب لسيلان اللعاب
من العلامات التي قد يلاحظها مربو الخيول بسهولة ظهور كمية كبيرة من اللعاب حول فم الحصان أو تجمعه على الأرض تحته.
وفي بعض الحالات يرتبط ذلك بتناول البرسيم، ولا سيما البرسيم الأحمر، عندما يتعرض النبات لنمو فطري ينتج مادة تعرف باسم السلافـرامين (Slaframine).
وتعمل هذه المادة على تحفيز إفراز اللعاب وتهيج الأغشية المخاطية في الفم والجهاز الهضمي، فتظهر حالة تعرف باسم فرط إفراز اللعاب.

وقد يبدو المشهد مقلقًا للمربي، إلا أن فرط إفراز اللعاب الناتج عن السلافـرامين لا يمثل عادةً تهديدًا خطيرًا لحياة الحصان، وفق المادة المنشورة في «The Horse».
لكن أهمية هذه العلامة تكمن في ضرورة عدم افتراض أن كل حالة سيلان لعاب سببها البرسيم؛ إذ يمكن لبعض الاضطرابات الأخرى أن تظهر بعلامات مشابهة وتحتاج إلى تقييم بيطري.
ومن هنا تبدأ القاعدة الأهم: التعرف إلى النبات لا يقل أهمية عن مراقبة الأعراض.
1. الحوذان.. زهرة صفراء تخفي مادة مهيجة
تملأ أزهار الحوذان الصفراء بعض المراعي في الربيع، وقد تبدو للوهلة الأولى جزءًا طبيعيًا من المشهد الريفي. لكن أنواع الحوذان التابعة لجنس Ranunculus تحتوي على مركب سام يعرف باسم رانونكيولين (Ranunculin)، ويتحول عند تلف أنسجة النبات إلى مركبات مهيجة.
ويتركز تأثير الحوذان بصورة أساسية في الأغشية المخاطية للفم. ولذلك قد يؤدي مضغ النبات إلى تهيج الفم وزيادة إفراز اللعاب وانخفاض الشهية. وإذا تناول الحصان كمية كبيرة منه، يمكن أن يمتد التهيج إلى الجهاز الهضمي ويسبب المغص أو الإسهال.
لكن الحوذان يختلف عن بعض النباتات الأخرى في نقطة مهمة: الخيول لا تستسيغه عادةً. فطعمه المهيج يدفع الحصان إلى تجنبه، ولهذا لا تتحول كثرة وجوده في المرعى بالضرورة إلى حالات تسمم واسعة.
ومع ذلك، فإن وجود الحوذان بكميات كبيرة ليس أمرًا ينبغي تجاهله. فانتشاره قد يكون مؤشرًا على وجود خلل في إدارة المرعى، خصوصًا في الحقول التي تعرضت للرعي الجائر أو تراجعت فيها جودة الأعلاف المرغوبة. وتشير إرشادات جامعة بنسلفانيا إلى أن الحوذان من الأعشاب التي تنتشر في بعض المراعي، وأن تحسين إدارة المرعى والسيطرة على الأعشاب يمكن أن يقللا من المشكلة.
2. الحميض أو الرَّمْرَام «Dock».. الخطر الذي لا يختفي بالتجفيف

يختلف نبات Dock عن الحوذان في أن خطورته لا ترتبط فقط بوجوده في المرعى، وإنما أيضًا بإمكانية دخوله إلى التبن.
ينمو هذا النبات القوي في ظروف مختلفة، ويمكن أن يزداد انتشاره في المراعي المتدهورة أو التي تعرضت للرعي الجائر. ويحتوي على مستويات مرتفعة من النترات والأوكسالات، وهما مركبان يمكن أن يشكلا خطرًا على الحيوانات عند تناولهما بكميات كافية.
وبالنسبة إلى الخيول، يتركز القلق خصوصًا في الأوكسالات. إذ يمكن لهذه المركبات أن ترتبط بالكالسيوم والمغنيسيوم، ما يؤثر في توازن هذه المعادن ووظائف العضلات.
وقد تظهر على الحصان علامات مثل الضعف والارتعاش العضلي، بينما تكون العضلات الحيوية، ومنها عضلات التنفس والقلب، موضع اهتمام خاص. كما يمكن أن تؤثر الأوكسالات في الكلى وتسبب أضرارًا في الأنابيب الكلوية.
والنقطة الأهم بالنسبة إلى المربين أن التجفيف لا يجعل Dock آمنًا. فعلى خلاف الحوذان الذي تنخفض سميته عند تجفيفه، يحتفظ Dock بمبادئه السامة، ولذلك لا ينبغي افتراض أن وجوده في التبن أصبح غير مهم لمجرد أن النبات جف.
وهذا يوضح لماذا لا يكفي فحص المرعى وحده. فالتبن الذي يصل إلى الإسطبل يحتاج أيضًا إلى فحص بصري جيد، خصوصًا عندما يكون مصدره أو نوعية الحقل الذي جُمع منه غير معروفين.
3. أشجار الكرز.. الخطر يختبئ في الأوراق والأغصان

تعد أشجار الكرز من أكثر النباتات التي تستحق اهتمامًا خاصًا في المراعي، خصوصًا الأنواع التابعة لجنس Prunus، ومنها الكرز البري، والكرز الأسود، وChokecherry.
وهنا تظهر مفارقة مهمة: الثمرة الناضجة ليست الجزء الذي يثير القلق الرئيسي في هذا السياق، بينما تكمن الخطورة في أجزاء أخرى من الشجرة. خصوصًا الأوراق والبذور والسيقان واللحاء والأغصان. وتحتوي هذه الأجزاء على مركبات جليكوسيدية مولدة للسيانيد.
عندما تتعرض أنسجة النبات للمضغ أو التلف، يمكن أن تتحول هذه المركبات إلى سيانيد الهيدروجين. ويؤثر السيانيد في قدرة الجسم على استخدام الأكسجين، ما يجعل التسمم حالة طارئة قد تتطور بسرعة.
وتزداد الخطورة في الأوراق الذابلة والمتضررة، ولذلك يمثل سقوط غصن من شجرة كرز داخل المرعى بعد عاصفة سيناريو يستحق الانتباه الفوري. كما يمكن للجفاف أو تلف النبات أن يزيد من خطورة بعض أنواع الكرز.
وقد تظهر على الحصان المصاب علامات مثل سرعة التنفس، واضطراب التناسق الحركي، والارتباك، وتغير لون الأغشية المخاطية إلى الأحمر الفاتح. وفي الحالات الشديدة يمكن أن يتدهور الوضع بسرعة كبيرة.
وتحذر جامعة مينيسوتا تحديدًا من أشجار Chokecherry، وتشير إلى أن الخيول قد تموت بعد تناول النبات خلال فترة قصيرة، ما يجعل الوقاية أكثر أهمية من انتظار ظهور الأعراض. وتوصي بإزالة هذه الأشجار من مراعي الخيول أو منع وصول الحيوانات إليها بصورة فعالة.
وهنا لا ينبغي الاكتفاء بإزالة الأغصان الساقطة. فإذا كانت الأشجار موجودة على حواف المرعى، فمن الضروري تقييم إمكانية وصول الحصان إلى أوراقها أو أغصانها عبر السياج.
4. الجوز الأسود.. خطر قد يأتي من الإسطبل لا المرعى
يقدم الجوز الأسود (Black Walnut) مثالًا مختلفًا على التسمم النباتي.
فأشجار الجوز الأسود تنتشر في مناطق من الولايات المتحدة، وقد تشكل خطرًا على الخيول من خلال أجزاء النبات، لكن المشكلة الأكثر شهرة في مزارع الخيول ترتبط باستخدام منتجات خشبية من الجوز الأسود في فرشة الإسطبل.
وتحتوي الشجرة على مركبات سامة، ويشير «The Horse» إلى الجغلون (Juglone) بوصفه مادة سامة مرتبطة بهذه المشكلة، بينما تشير بعض المصادر الإرشادية إلى أن هوية المركب المسؤول عن التهاب الصفائح الناتج عن نشارة الجوز الأسود ليست محسومة بصورة نهائية علميًا. لذلك من الأدق التعامل مع نشارة الجوز الأسود بوصفها مادة يجب تجنبها في فرشة الخيول بغض النظر عن الجدل حول المركب المسؤول تحديدًا.
وقد يؤدي تعرض الحصان لهذه النشارة إلى ظهور علامات سريعة، أبرزها التهاب الصفائح الحساسة في الحافر (Laminitis)، إلى جانب تورم الأطراف وارتفاع الحرارة وزيادة النبض والتنفس في بعض الحالات.
وتكمن خطورة التهاب الصفائح في أنه ليس مجرد ألم عابر في الحافر. فالصفائح هي البنية التي تربط جدار الحافر بالعظم داخل الحافر، وعندما تلتهب قد تحدث تغيرات مؤلمة وخطيرة في بنية القدم.
وتشير جامعة بنسلفانيا إلى أن وجود نسبة من نشارة الجوز الأسود في خليط الفرشة قد يكون كافيًا للتسبب في التهاب الصفائح، وهو ما يجعل معرفة مصدر النشارة أمرًا أساسيًا قبل استخدامها.
لماذا قد يأكل الحصان نباتًا سامًا؟
من السهل الاعتقاد بأن الحصان سيعرف غريزيًا ما هو آمن وما هو سام، لكن هذه الفكرة لا يمكن الاعتماد عليها كوسيلة للوقاية.
صحيح أن كثيرًا من النباتات السامة غير مستساغة للخيول، وأنها تميل إلى تجنبها عندما يتوافر العلف الجيد، لكن الجوع يغير السلوك. وفي حالات الجفاف أو نقص الأعلاف أو الرعي الجائر، قد يبدأ الحصان في استكشاف نباتات لم يكن ليأكلها في الظروف الطبيعية.
كما أن الخطر لا يأتي دائمًا من قرار الحصان اختيار نبات سام. أحيانًا يكون النبات هو الذي يصل إلى الحصان.
قد تسقط أغصان الأشجار داخل الحقل بعد عاصفة، أو تصل أوراقها إلى التبن، أو يستخدم المربي نشارة خشبية غير مناسبة في الإسطبل. وفي بعض الحالات قد يمد الحصان رأسه عبر السياج للوصول إلى نبات موجود خارجه.
ولهذا فإن الوقاية تبدأ من المحيط الكامل للحصان، وليس من الوعاء الذي يتناول منه غذاءه فقط.
الرعي الجائر.. مشكلة تغذية وسلامة في الوقت نفسه
لا يؤدي الرعي الجائر إلى تدهور جودة المرعى فحسب، بل يمكن أن يزيد أيضًا احتمالات التسمم النباتي.
فعندما يستهلك الحصان النباتات المرغوبة باستمرار ولا تحصل الأعشاب على فرصة كافية للنمو والتجدد، تظهر مساحات عارية وتزداد الأعشاب غير المرغوبة.
وتشير إرشادات إدارة المراعي إلى أن الحفاظ على غطاء نباتي جيد، مع إدارة الرعي والتسميد وفحص التربة والسيطرة على الأعشاب عند الحاجة، يشكل خط الدفاع الأول ضد النباتات السامة.
وبمعنى آخر، فإن المرعى الصحي ليس مجرد مصدر للغذاء؛ بل هو جزء من منظومة الوقاية البيطرية.
العاصفة.. لحظة تستدعي فحص المرعى
بعد الرياح القوية أو العواصف، ينبغي ألا يقتصر تفقد المزرعة على الأسوار والأبواب.
يجب السير داخل المرعى والبحث عن الأغصان والأشجار الساقطة، خصوصًا إذا كانت المنطقة تحتوي على الكرز أو القيقب أو الجوز الأسود أو غيرها من الأشجار المعروفة بخطورتها.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة لأن الأوراق المتضررة أو الذابلة لبعض الأشجار قد تصبح أكثر خطورة. وفي حالة أشجار الكرز، يمكن أن تتحول المركبات الموجودة في الأنسجة النباتية إلى مركبات مولدة للسيانيد عند تعرضها للتلف والذبول.
كما يجب عدم إلقاء مخلفات تقليم الأشجار والشجيرات داخل المرعى. فما قد يبدو بالنسبة إلى الإنسان مجرد أغصان لا قيمة لها قد يتحول بالنسبة إلى حصان جائع إلى مصدر غذاء.
الوقاية تبدأ من معرفة ما ينمو حول الحصان
لا توجد قائمة قصيرة تستطيع تغطية كل النباتات السامة التي يمكن أن يواجهها الحصان، لأن الأنواع تختلف باختلاف المنطقة والمناخ ونظام إدارة المزرعة.
لكن هناك مجموعة من الإجراءات البسيطة التي يمكن أن تقلل الخطر بصورة كبيرة:
أولًا: فحص المرعى بانتظام والتعرف إلى النباتات والأشجار الموجودة فيه.
ثانيًا: الحفاظ على كمية كافية من العلف الجيد لتقليل احتمال بحث الحصان عن نباتات بديلة.
ثالثًا: معالجة مشكلة الرعي الجائر وعدم السماح بتدهور الغطاء النباتي.
رابعًا: إزالة الأشجار أو النباتات السامة، أو عزلها بسياج يمنع وصول الخيول إليها.
خامسًا: فحص المنطقة المحيطة بالسياج، لأن الحصان قد يتمكن من الوصول إلى نباتات تقع خارجه.
سادسًا: تفقد المراعي بعد العواصف وإزالة الأغصان والأوراق الساقطة.
سابعًا: التأكد من مصدر التبن والفرشة الخشبية، وعدم استخدام نشارة مجهولة المصدر، خصوصًا عندما يكون هناك احتمال لاحتوائها على الجوز الأسود.
متى يصبح الأمر حالة طارئة؟
أحد أصعب جوانب التسمم النباتي أن أعراضه قد تتشابه مع أمراض أخرى.
قد يبدأ الأمر بسيلان لعاب أو اضطراب هضمي، لكنه قد يتطور في بعض أنواع التسمم إلى ضعف عضلي أو اضطراب عصبي أو صعوبة في التنفس أو التهاب حاد في الحافر.
وفي حالة الاشتباه في تناول نبات سام، لا ينبغي انتظار ظهور مجموعة كاملة من الأعراض قبل طلب المساعدة. فبعض حالات التسمم، ولا سيما المرتبطة بالنباتات المنتجة للسيانيد، يمكن أن تتطور بسرعة شديدة.
كما ينبغي، إن أمكن، الاحتفاظ بعينة من النبات المشتبه فيه أو التقاط صور واضحة له لمساعدة الطبيب البيطري على تحديد النوع، مع تجنب تعريض الحصان لمزيد من النبات أثناء انتظار التوجيه المتخصص.
المرعى الجيد هو خط الدفاع الأول
تكشف قصة النباتات السامة أن حماية الحصان لا تبدأ عند ظهور المرض، وإنما قبل ذلك بكثير.
فالمرعى الذي يحصل فيه الحصان على علف كافٍ، وتتم مراقبته بصورة منتظمة، وتزال منه الأشجار والأعشاب الخطرة، وتُفحص أرضه بعد العواصف، يقلل احتمالات التعرض للتسمم بصورة كبيرة.
وفي المقابل، يمكن أن يتحول المرعى المهمل أو المفرط في الرعي إلى بيئة تزيد فيها فرص تناول نباتات غير مرغوبة.
ومن البرسيم الذي قد يسبب سيلانًا غزيرًا للعاب، إلى الحوذان المهيج، وDock الذي يحتفظ بخطورته حتى بعد التجفيف، وأشجار الكرز التي قد تطلق مركبات مولدة للسيانيد. وصولًا إلى الجوز الأسود الذي يمكن أن يهدد الحافر حتى من خلال الفرشة؛ تؤكد هذه الحالات أن معرفة النباتات المحيطة بالحصان جزء أساسي من الرعاية اليومية، وليست مهمة ثانوية للمربي.
والقاعدة الأهم تبقى بسيطة: لا تعتمد على غريزة الحصان في تمييز النباتات السامة، بل اعتمد على معرفة المربي وإدارة المرعى والمراقبة البيطرية السريعة عند ظهور أي علامة غير طبيعية.
المصادر:
The Horse.
Rutgers Cooperative Extension.
Cornell University – Plants Poisonous to Livestock.
University of Minnesota Extension، معلومات عن Chokecherry.
Penn State Extension.
الحصان الذي حيّر العالم والعلماء .. كيف يجيب على أسئلة الحساب؟
فرحة الفوز تنقلب إلى حادث خطير في باليو سيينا.. اقتحام المسار يُسقط الفارس والحصان
حصاني الذي أختاره للرحلة… لماذا تبقى علاقة الفارس بحصانه أساس كل تجربة ناجحة؟
ميلو… الحصان الكفيف الذي يتحدى نخبة العالم في هكستيد قصة استثنائية تتجاوز حدود المنافسة





Leave a Reply