حوّل الفارس العراقي الفهد فراس مدير أكاديمية النبلاء شغفه بالخيول إلى مبادرة اجتماعية تستهدف دعم الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد. يأتي ذلك في تجربة تضع الفروسية خارج إطارها التقليدي، وتطرح إمكانية الاستفادة من العلاقة بين الإنسان والحصان في أنشطة تساعد الأطفال على التفاعل والحركة واكتساب تجارب جديدة.
وقد تناول موقع “هذا اليوم” المبادرة في تقرير مصور، موضحًا أن الفارس اختار توظيف خبرته في التعامل مع الخيول لخدمة الأطفال وأسرهم. وذلك من خلال إتاحة الفرصة لهم للتعرف إلى الخيل والتفاعل معه ضمن بيئة مخصصة لهذا الغرض.
الفروسية خارج المنافسة
لا تقتصر علاقة الفارس بالحصان على التدريب والمنافسات. ففي السنوات الأخيرة، توسع الاهتمام عالميًا بما يعرف بالأنشطة والعلاجات بمساعدة الخيل. والتي تشمل أنشطة متنوعة يمكن أن تتضمن التفاعل مع الحصان والعناية به أو ركوبه ضمن برامج يشرف عليها مختصون.

وكذلك تختلف هذه البرامج عن تعليم ركوب الخيل التقليدي، لأنها تراعي احتياجات المشاركين وقدراتهم الفردية. وقد يبدأ النشاط بالتعرف إلى الحصان ولمسه وتنظيفه، قبل الانتقال إلى الركوب إذا كان ذلك مناسبًا للطفل من الناحية الصحية والحركية والسلوكية.
وتكمن أهمية التجربة في طبيعة الحصان نفسه. فالطفل يتعامل مع كائن حي يتحرك ويستجيب، ما يتطلب قدرًا من الانتباه والهدوء واتباع التعليمات.
ماذا يقول البحث العلمي؟
اهتم الباحثون خلال السنوات الماضية بدراسة تأثير الأنشطة بمساعدة الخيل على الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد.
وقد أظهرت مراجعة منهجية نشرت عام 2018 وجود مؤشرات على فوائد محتملة لبعض الجوانب السلوكية والاجتماعية والتواصلية. لكنها أشارت في الوقت نفسه إلى محدودية الأدلة في عدد من المجالات الأخرى، والحاجة إلى دراسات أكثر قوة واتساقًا.
كما راجعت دراسة تحليلية منشورة عام 2019 عددًا من الأبحاث التي تناولت الأنشطة والعلاجات بمساعدة الخيل لدى الأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد.
كما خلص الباحثون إلى وجود مؤشرات إيجابية في بعض الجوانب، مع استمرار التباين بين الدراسات وعدم كفاية الأدلة لاعتبار هذه البرامج علاجًا مستقلًا للتوحد.
وتشير مراجعات أحدث إلى نتائج مشجعة في مجالات مثل التواصل الاجتماعي وبعض جوانب الإدراك والسلوك، لكنها تؤكد أيضًا الحاجة إلى مزيد من الدراسات ذات العينات الأكبر والمناهج الأكثر توحيدًا.
لذلك، فإن استخدام تعبير “علاج التوحد بالخيل” يحتاج إلى قدر من الحذر. الأدق هو الحديث عن أنشطة أو تدخلات مساندة بمساعدة الخيل يمكن أن تكون جزءًا من خطة أوسع يحددها المختصون وفق احتياجات كل طفل.
تجربة تختلف من طفل إلى آخر
يعد هذا الجانب مهمًا لأن اضطراب طيف التوحد لا يظهر بالطريقة نفسها لدى جميع الأطفال. فهناك اختلافات كبيرة في القدرات الحركية والحسية والتواصلية والسلوكية.
ولهذا لا يمكن افتراض أن نشاطًا واحدًا سيحقق النتيجة نفسها مع جميع الأطفال. فقد يجد طفل في التعامل مع الحصان وسيلة ممتعة للتواصل والحركة، بينما يحتاج طفل آخر إلى خطوات أكثر تدريجًا أو قد لا يكون الركوب مناسبًا له أصلًا.
ومن هنا تأتي أهمية الإشراف المتخصص، إلى جانب توفير الخيول المناسبة والمدربة، ومراعاة إجراءات السلامة أثناء جميع مراحل النشاط.
من الإسطبل إلى الاندماج المجتمعي

تتجاوز أهمية المبادرة الجانب المرتبط بالنشاط نفسه. فإتاحة أنشطة مناسبة للأطفال ذوي التوحد يمكن أن تساعد في توسيع مشاركتهم في الحياة الاجتماعية، وتمنح أسرهم خيارات إضافية للترفيه والتفاعل خارج البيئات التقليدية.
كما يمكن لمثل هذه المبادرات أن تغير النظرة إلى الفروسية نفسها. فالخيل لا يظهر هنا بوصفه وسيلة للمنافسة وتحقيق النتائج فقط، بل كجزء من نشاط اجتماعي يمكن أن يجمع بين الرياضة والتأهيل والترفيه.
ويمنح وجود الفارس عنصرًا إضافيًا في التجربة، لأن نجاح النشاط يعتمد على قدرته على فهم سلوك الحصان والتعامل معه، وعلى معرفة حدود الطفل واحتياجاته.
الحاجة إلى تحويل المبادرات الفردية إلى برامج منظمة
تظل المبادرات الفردية مهمة في إطلاق الأفكار الجديدة، لكن استدامتها تحتاج إلى إطار أكثر تنظيمًا.
ويشمل ذلك التعاون بين الفروسية والمتخصصين في العلاج الوظيفي والعلاج الطبيعي والتربية الخاصة، إلى جانب وضع معايير واضحة لاختيار الخيول وتدريب العاملين وتقييم المشاركين.
كما أن تسجيل النتائج بصورة منتظمة يمكن أن يساعد على معرفة الفوائد الفعلية للبرنامج بدل الاعتماد على الانطباعات الشخصية وحدها.
وتكمن قيمة التجربة العراقية في أنها تفتح نقاشًا حول إمكانية توظيف الفروسية في مجالات اجتماعية جديدة، لكنها تحتاج، مثل أي مبادرة من هذا النوع، إلى التطوير والتقييم العلمي حتى يمكن قياس أثرها بصورة موضوعية.
في النهاية، لا تقدم الخيول حلًا واحدًا لجميع الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد، ولا تحل الأنشطة بمساعدة الخيل محل العلاج أو التعليم والتأهيل المتخصص. لكنها قد توفر مساحة مختلفة للتفاعل والحركة واكتساب الخبرة.
ومن شغف فارس بالخيل بدأت المبادرة، لكن نجاحها على المدى الطويل سيعتمد على قدرتها على الجمع بين هذا الشغف والخبرة المتخصصة والسلامة والتقييم العلمي. وعندها يمكن للفروسية أن تؤدي دورًا يتجاوز حدود السباقات والمنافسات، لتصبح وسيلة إضافية للمشاركة والاندماج المجتمعي.
المصادر
موقع “هذا اليوم”
Equine assisted activities.
أبوظبي تجمع تراث الفروسية بالتقنيات الذكية في معرض الصيد والفروسية
كيف تعرف أن حصانك يعاني نقصًا غذائيًا؟ علامات صامتة قد تكشف خللًا في صحة الخيل قبل فوات الأوان
حصان آلي يفتح بابًا جديدًا لتقنيات الفروسية والتنقل في الصين
ميلو… الحصان الكفيف الذي يتحدى نخبة العالم في هكستيد قصة استثنائية تتجاوز حدود المنافسة





Leave a Reply