من سلالات الفروسية التقليدية إلى سوق دولية تشمل التربية والتدريب والتجارة والسياحة والرياضة.
حيث لم يعد الحصان الإسباني الأصيل مجرد رمز للتراث والفروسية في إسبانيا، بل أصبح جزءًا من صناعة اقتصادية واسعة تتجاوز حدود مزارع التربية والإسطبلات.
وتظهر بيانات القطاع أن الأنشطة المرتبطة بالخيول في إسبانيا تحرك نحو 7.39 مليارات يورو سنويًا، بما يعادل نحو 0.59% من الناتج المحلي الإجمالي، وتدعم قرابة 150 ألف وظيفة.
لكن أهمية هذه الأرقام تحتاج إلى توضيح: الرقم لا يمثل قيمة تجارة الخيول الإسبانية الأصيلة وحدها، وإنما يقيس الأثر الاقتصادي لقطاع الفروسية الإسباني بمختلف مكوناته، من التربية والتدريب إلى الرياضة والخدمات البيطرية والنقل والتغذية والتأمين والتجارة والسياحة.
سلالة إسبانية بحضور يتجاوز الحدود

في قلب هذه الصناعة تقف سلالة Pura Raza Española (PRE)، المعروفة دوليًا باسم الحصان الإسباني الأصيل. وتشير أحدث بيانات سجل السلالة إلى تسجيل 291,138 حصانًا بنهاية عام 2025، موزعة على 51,354 مزرعة تربية نشطة في 71 دولة.
إذ أنه خلال عام واحد، أضيف أكثر من 12,700 مهر إلى السجل، إلى جانب تسجيل 2,835 مزرعة جديدة. كما عالج السجل أكثر من 10 آلاف عملية نقل ملكية خلال 2025، وتركز جزء مهم من النشاط الدولي في الولايات المتحدة وإيطاليا والمكسيك وفرنسا.
وبالتالي هذه الأرقام تكشف تحولًا مهمًا في طبيعة السوق. فالحصان الإسباني لم يعد منتجًا مخصصًا للسوق المحلية أو لهواة الفروسية في أوروبا وحدها، بل أصبح سلعة ذات قيمة عالمية، ترتبط بها شبكات من المربين والمدربين والأطباء البيطريين وشركات النقل ومنظمي البطولات وموردي الأعلاف والمعدات.
الولايات المتحدة والأسواق الخارجية في الواجهة
يُعد الانتشار الدولي أحد أهم عناصر قوة صناعة الخيول الإسبانية. وتظهر بيانات سجل PRE أن نسبة مهمة من مزارع التربية الجديدة تأتي من خارج إسبانيا. بينما تمثل الولايات المتحدة وإيطاليا وألمانيا من بين أبرز الأسواق الخارجية لنمو قاعدة المربين.
ولا يرتبط الطلب بالخيول المخصصة للعرض أو التربية فقط. فالحصان الإسباني يستخدم في عدد من الرياضات والفنون الفروسية. من بينها الترويض، والفروسية العاملة، والقيادة، والقفز، إضافة إلى مدارس الفروسية التقليدية الإسبانية.
وتمنح هذه التعددية السلالة ميزة تجارية مهمة؛ إذ يستطيع المربي تسويق الحصان وفق نسبه وشكله وخصائصه الرياضية ومستوى تدريبه، بدل الاعتماد على سوق واحدة أو استخدام واحد.
السعر لا تحدده السلالة وحدها
وتختلف قيمة الحصان الإسباني بصورة كبيرة بحسب نسبه، وعمره، وتكوينه الجسدي، وتدريبه، وسجله الرياضي، ومدى جاذبية سلالته بالنسبة إلى المربين.
حيث تتراوح الأسعار، وفق المعطيات التي نقلها تقرير “العربي الجديد” عن القطاع، من نحو 10 آلاف يورو إلى أكثر من نصف مليون يورو في الحالات الاستثنائية.
وهنا تظهر طبيعة الاستثمار في الخيول بصورة مختلفة عن العديد من السلع الأخرى.

فالمربي لا يشتري أصلًا جاهزًا لتحقيق عائد سريع، بل يدخل في دورة استثمار طويلة تبدأ من اختيار الفحل والفرس، وتمر بالحمل والولادة والرعاية والتغذية والتدريب. وذلك قبل أن تظهر القيمة التجارية والرياضية للحصان بصورة واضحة.
كما أن ارتفاع سعر البيع المحتمل يقابله ارتفاع في تكاليف الاحتفاظ بالحيوان. وتشمل هذه التكاليف التغذية، والرعاية البيطرية، والحدادة، والتدريب، والنقل، والتأمين، إضافة إلى تكاليف المشاركة في المنافسات.
صناعة تمتد إلى ما هو أبعد من بيع الخيول
تكمن القوة الحقيقية للاقتصاد الإسباني المرتبط بالخيول في أن الحيوان يمثل نقطة البداية لسلسلة طويلة من الأنشطة الاقتصادية.
كما تشير دراسة أثر القطاع إلى أن مرحلة التربية وحدها تمثل نشاطًا اقتصاديًا كبيرًا، بينما تستحوذ مرحلة استخدام الخيول في الرياضة والترفيه والتجارة على الجزء الأكبر من الإنفاق.
كما ترتبط بالقطاع صناعات موازية تشمل الأعلاف، والطب البيطري، والحدادة، ومعدات الفروسية، والبناء، والتأمين، والنقل والإعلام.
وتقدر الدراسة إجمالي الحركة الاقتصادية للقطاع بنحو 7.392 مليار يورو، مع نحو 149,863 وظيفة. فيما يساهم كل يورو ينفق في القطاع بنحو 1.17 يورو في الناتج المحلي الإجمالي وفق منهجية الدراسة.
وهذا يفسر لماذا تتعامل إسبانيا مع الخيل باعتباره قطاعًا اقتصاديًا ورياضيًا وسياحيًا، وليس مجرد نشاط زراعي متخصص.
السياحة والمعارض جزء من المعادلة
وتلعب الفعاليات الدولية دورًا مهمًا في تحويل شهرة الحصان الإسباني إلى نشاط اقتصادي مباشر.
ويأتي معرض SICAB في إشبيلية في مقدمة هذه الفعاليات، باعتباره أحد أهم التجمعات العالمية المخصصة للحصان الإسباني الأصيل. وقد شهدت دورة 2025 مشاركة أكثر من 890 حصانًا من 323 مزرعة إسبانية ودولية، مع حضور مزارع من 11 دولة.
ولا تقتصر أهمية المعرض على بيع الخيول وعقد الصفقات، إذ يرتبط بحركة الفنادق والمطاعم والنقل والخدمات والمعارض والأنشطة السياحية.
وقدرت الجهة المنظمة أثر SICAB الاقتصادي بأكثر من 75 مليون يورو، مع نحو ألفي فرصة عمل مباشرة.
وهذا النموذج يوضح كيف يمكن للفعاليات الفروسية أن تعمل كمنصة اقتصادية تتجاوز حدود المنافسة الرياضية نفسها.
التراث يتحول إلى علامة تجارية
وتملك إسبانيا ميزة لا تتوافر بالدرجة نفسها لجميع الدول المنافسة، وهي ارتباط السلالة بتاريخ طويل من الفروسية والتربية المنظمة.
وتصنف وزارة الزراعة الإسبانية PRE بوصفها سلالة محلية أصيلة، وتؤكد انتشارها خارج إسبانيا في أكثر من 65 دولة. فيما تشرف منظومة رسمية على سجل السلالة وبرامج تحسينها الوراثي.
إذ أن هذا التنظيم مهم تجاريًا، لأنه يمنح المشتري الدولي قدرة أكبر على التحقق من نسب الحصان وتسجيله وتاريخه. وفي سوق ترتفع فيه قيمة بعض الحيوانات إلى مئات آلاف اليوروهات، تصبح الموثوقية الوراثية والصحية والتوثيق عاملًا أساسيًا في تحديد القيمة.
التحدي: نمو السوق من دون إضعاف الجودة
رغم النمو الدولي، تواجه الصناعة تحديًا جوهريًا يتمثل في المحافظة على جودة السلالة ورفاه الخيول، مع استمرار توسع التجارة.
فالاستثمار في الحصان يحتاج إلى سنوات قبل أن تظهر نتائجه، فيما يمكن أن تؤثر تكاليف الأعلاف والرعاية البيطرية والنقل والتدريب في هامش الربح.
كما أن ارتفاع الطلب الخارجي يفرض على المربين الإسبان الحفاظ على مستوى عالٍ من التوثيق والخدمات، خصوصًا في الأسواق التي تعتمد على معلومات دقيقة حول الصحة والنسب والأداء.
ومن جهة أخرى، فإن نجاح الحصان الإسباني في المنافسات الدولية يمكن أن يؤدي دورًا تسويقيًا يتجاوز الجائزة الرياضية نفسها. فالفوز أو تحقيق نتائج متقدمة يرفع قيمة الحصان وأشقائه ونسله، ويزيد جاذبية المزرعة التي أنتجته.
من حصان تقليدي إلى منتج عالمي

وفي النهاية تكشف تجربة إسبانيا أن القيمة الاقتصادية للحصان لا تتوقف عند سعر البيع. فالخيل يدخل في منظومة تشمل التربية، والرياضة، والسياحة، والخدمات، والصناعة، والتجارة الدولية.
وبينما بلغ عدد خيول PRE المسجلة عالميًا نحو 291 ألف حصان في نهاية 2025. واستمرت قاعدة المربين في الاتساع، تبدو السلالة في موقع يسمح لها بتعزيز حضورها في الأسواق الخارجية.
والأهم أن إسبانيا نجحت في تحويل أحد عناصر تراثها إلى علامة تجارية قابلة للتصدير.
غير أن استمرار هذا النمو لن يعتمد على زيادة أعداد الخيول فقط، بل على قدرة القطاع على الجمع بين الجودة الوراثية، والأداء الرياضي، والتوثيق، والرفق بالحيوان، والتسويق الدولي.
وهنا تكمن قيمة التجربة الإسبانية: الخيل لم يعد في هذه المنظومة مجرد حيوان للركوب أو المنافسة، بل أصبح محورًا لصناعة متكاملة تربط الريف بالرياضة والسياحة والتجارة والأسواق العالمية.
المصادر
العربي الجديد.
Yeguada Cartuja
lgancce.com
sicab.org.
60 سباقاً تضع الإمارات أمام موسم استثنائي في القدرة والتحمل
من حفظ السلالات إلى هندسة المستقبل.. الإمارات توسّع حضورها في استنساخ الحيوانات
جازان تفتح باب الاستثمار في الفروسية بأكاديمية جديدة على واجهتها الجنوبية





Leave a Reply