في عالم سباقات الخيل، اعتاد الجمهور قراءة السير الذاتية التي تسرد مسيرة الأبطال عامًا بعد عام. لكن المدرب البريطاني الشهير نيكي هندرسون (Nicky Henderson) اختار طريقًا مختلفًا في كتابه «حياتي في 12 حصانًا» (My Life in 12 Horses).
حيث قرر أن يروي قصة حياته المهنية من خلال 12 حصانًا فقط، ترك كل واحد منها بصمة خاصة في مسيرته وأصبح جزءًا من نجاحاته وإخفاقاته وذكرياته.
وقد صدر الكتاب عام 2023 بالتعاون مع الكاتبة والصحفية البريطانية كيت جونسون (Kate Johnson)، ليقدم للقارئ رحلة إنسانية ورياضية تتجاوز حدود السباقات والبطولات.
أكثر من مجرد سيرة ذاتية
لا يقدم الكتاب سردًا تقليديًا لمسيرة هندرسون، أحد أنجح مدربي سباقات الحواجز في بريطانيا، بل يعتمد على أسلوب فريد يجعل كل فصل مخصصًا لحصان من الخيول التي لعبت دورًا محوريًا في حياته المهنية.
ومن خلال هذه الخيول، يتعرف القارئ إلى المراحل المختلفة من مسيرته، بدءًا من أيامه كفارس هاوٍ، مرورًا بعمله مساعدًا للمدرب الشهير فريد وينتر (Fred Winter). وصولًا إلى تحوله إلى أحد أعظم المدربين في تاريخ سباقات الحواجز البريطانية.
ويمنح هذا الأسلوب الكتاب طابعًا إنسانيًا مميزًا، إذ لا تصبح الخيول مجرد أدوات لتحقيق الانتصارات، بل شخصيات حقيقية لها طباعها وقصصها ومواقفها الخاصة.
12 حصانًا صنعت أسطورة
يستعرض الكتاب مجموعة من أشهر الخيول التي ارتبط اسمها بنيكي هندرسون على مدار عقود، من بينها الحصان الشهير سي يو ذن (See You Then) الذي حقق ثلاثة ألقاب متتالية في سباق “تشامبيون هيردل”. والحصان ألتيور (Altior) صاحب الأرقام القياسية. وسبرينتر ساكر (Sprinter Sacre) الذي يعده كثيرون أحد أعظم خيول سباقات الحواجز في العصر الحديث. إضافة إلى النجم المعاصر كونستيتيوشن هيل (Constitution Hill).
ولا يكتفي الكتاب بسرد إنجازات هذه الخيول، بل يكشف تفاصيل غير معروفة عن شخصياتها وسلوكها اليومي، وكيف تعامل معها المدرب وفريقه في أوقات النجاح والأزمات.
الوجه الآخر للنجاح

من أبرز نقاط قوة الكتاب أنه لا يركز على الانتصارات فقط، بل يتناول أيضًا لحظات الإخفاق والإصابات والخيبات التي واجهها المدرب خلال مسيرته. فالقارئ يكتشف أن وراء كل لقب كبير ساعات طويلة من العمل والقلق والقرارات الصعبة.
ويتحدث هندرسون بصراحة عن اللحظات التي شعر فيها بالخوف على خيوله، وعن الخسائر التي تركت أثرًا عاطفيًا عميقًا لديه.
ويظهر الكتاب أن العلاقة بين المدرب والحصان ليست مهنية فحسب، بل علاقة تقوم على الثقة والارتباط العاطفي والاهتمام اليومي.
شهادات من نجوم السباقات
يتميز الكتاب أيضًا باحتوائه على مساهمات وشهادات من عدد من أبرز نجوم سباقات الخيل البريطانيين الذين عملوا مع هندرسون خلال مسيرته.
من بينهم الفارس الأسطوري توني ماكوي (A.P. McCoy)، وباري جيراغتي (Barry Geraghty)، وجون فرانكوم (John Francome)، ونيكو دي بوانفيل (Nico de Boinville).
وتضيف هذه الشهادات بعدًا مختلفًا للكتاب، إذ تقدم رؤية من داخل الإسطبلات وغرف التحضير للسباقات، وتكشف جانبًا من شخصية هندرسون المهنية والإنسانية.
دروس في القيادة وفهم الخيل
رغم أن الكتاب موجّه أساسًا لعشاق سباقات الخيل، فإنه يحمل رسائل أوسع تتعلق بالقيادة والصبر وفهم طبيعة الحيوانات. فهندرسون يؤكد مرارًا أن النجاح لا يتحقق بالقوة أو الشهرة، بل بالقدرة على فهم احتياجات الحصان والتعامل معه باعتباره شريكًا حقيقيًا في الإنجاز.
وتظهر صفحات الكتاب كيف يمكن للتفاصيل الصغيرة في التدريب والرعاية الصحية والتعامل النفسي مع الخيل أن تصنع الفارق بين الفوز والخسارة.
لماذا يستحق هذا الكتاب القراءة؟
تكمن أهمية «حياتي في 12 حصانًا» في أنه لا يقدم تاريخًا لمدرب ناجح فحسب، بل يفتح نافذة نادرة على عالم سباقات الخيل من الداخل. فالكتاب يجمع بين السيرة الذاتية والتاريخ الرياضي والقصص الإنسانية، ويمنح القارئ فهمًا أعمق للعلاقة التي تربط الإنسان بالخيل.
كما أنه يوضح كيف يمكن لحصان واحد أن يغير مسار حياة كاملة، وكيف تتحول بعض الخيول إلى رموز خالدة في ذاكرة الرياضة وجمهورها.
يُعد كتاب «حياتي في 12 حصانًا» أكثر من مجرد كتاب عن سباقات الخيل؛ إنه شهادة شخصية على رحلة طويلة من الشغف والعمل والنجاح. ومن خلال اثني عشر حصانًا فقط، ينجح نيكي هندرسون في سرد قصة عمر امتدت لعقود داخل ميادين السباق، ليقدم واحدة من أكثر الكتب الإنسانية والثرية في أدب الفروسية الحديث.
وبالنسبة للمهتمين بالخيل والفروسية، فإن هذا العمل يمثل فرصة لفهم الجانب الخفي من الرياضة، حيث تتشكل البطولات خلف أبواب الإسطبلات قبل أن تظهر تحت أضواء المضامير. وهو كتاب لا يتحدث عن الخيول فحسب، بل عن الطموح والصبر والوفاء والشراكة الفريدة التي تجمع الإنسان بجواده في رحلة البحث عن المجد.





Leave a Reply