إن العلاقة والرابطة بين كل من الفارس والحصان هي السر الصامت وراء النجاحات الكبرى التي يتم تحقيقها في ميادين الفروسية. فالموهبة أو التدريب وحدهما ليسا هما ما يصنعان الفارق الحقيقي. ففي ميادين الفروسية، لا يكفي أن يتقن الفارس فن القفز أو أن يلم بكل تقنيات التدريب، فهناك عنصر خفي يصنع الفارق الحقيقي. هذه الفكرة جسدها الفارس الهولندي العالمي جيروين دوبلدام حين قال:
“ليست الموهبة، ولا التدريب، ولكن الرابطة مع حصانك هي التي تصنع الفرق.”
إن تجربة دوبلدام الطويلة، التي توجت بذهبية أولمبياد سيدني عام 2000 بالإضافة إلى بطولات عالمية أخرى، لا تروي فقط قصة فارس ناجح، بل تكشف عن فلسفة عميقة تنبع من فهمه للحصان كشريك لا كأداة.
تفاصيل تعاملك مع الحصان أكثر أهمية من التدريب:
إن الخيل ليست مجرد وسيلة للوصول إلى البطولة. بل إنها كائنات حساسة تشعر، وتتفاعل، وتدرك وتتأثر بكل ما يدور حولها.
وحين يبني الفارس علاقة حقيقية مع حصانه، يبدأ كل منهما بفهم الآخر دون كلمات. وتتحول التدريبات اليومية إلى حوارات غير منطوقة، تعزز الثقة ما بينهما وتمهد لانسجام نادر في الحلبة.
كما أن المهارة وحدها لا تكفي حين يغيب الانسجام. أما العلاقة المبنية على الثقة والاحترام، فهي الأساس الذي يرفع مستوى الأداء عند أول عقبة.

دوبلدام يتحدث بلسان الفارس الصادق:
جيروين دوبلدام ليس فارسًا عاديًا. بل هو أحد القلائل الذين جمعوا بين ألقاب عالمية وأداء ثابت على مدار أكثر من عقدين.
ورغم أن كثيرين نسبوا نجاحاته إلى أسلوبه الفني، يؤكد دوبلدام أن السبب الحقيقي يكمن في علاقته الخاصة مع خيوله، وتحديداً مع حصانه الأكثر شهرة “ساينت جورج”.
يقول دوبلدام إن بناء الثقة بين الفارس والحصان لا يحدث في الميدان فقط، بل إنه يبدأ في الإسطبل. حيث يقضي أوقاتاً طويلة مع حصانه خارج أوقات التدريب، يتحدث إليه، يعتني به، ويمنحه الأمان.
الخيل يشعر قبل أن يسمع:
دراسات علمية حديثة، نشرت في مجلة Biology Letters، أثبتت أن الخيول تستطيع قراءة تعابير وجه الإنسان ونبرة صوته.
ولذا فعندما يكون الفارس غاضباً أو متوتراً، فإن الحصان يستشعر ذلك سريعاً، وقد يتأثر أداؤه سلباً من دون ظهور سبب واضح. أما الفارس المتزن، الذي يتواصل مع خيله بهدوء وثقة بشكل دائم، فهو يمنح شريكه شعوراً بالأمان، ويدفعه للعطاء الأفضل في الميدان.
الوقت خارج التدريب يبني النجاح داخل الحلبة:
إن من أبرز ما يميز الفرسان الناجحين عالمياً، هو اهتمامهم بما يحدث خارج وقت التدريب.
فمثلا الفارس جيروين دوبلدام، وغيره من كبار الفرسان، يقضون وقتاً نوعياً مع خيولهم، سواء في التنظيف أو التنزه أو حتى الجلوس بجوارها. ولذا فإن مثل هذه الأفعال الصغيرة تترك أثراً عميقاً وكبيراً في نفس الحصان، وتجعله أقرب إلى الاستجابة دون تردد في وقت خوض التحدي. لذا فإن كل لحظة يعتني فيها الفارس بخيله، هي لحظة تبني ثقة، وترسخ العلاقة التي تترجم لاحقاً إلى استجابة دقيقة عند القفز أو التوقف أو الدوران.
الرابطة تنتصر في لحظة الحقيقة:
في البطولات الكبرى، حيث تكون الأعصاب مشدودة، والجمهور يراقب، والحواجز شاهقة، لا يمكن الاعتماد فقط على التمارين.
لذا فإن الرابطة التي بنيت بصبر وحب، تظهر حين يحتاجها الفارس أكثر من أي وقت. فالحصان يقرأ نية الفارس، والفارس يتوقع حركة الحصان، وكأن بينهما لغة خاصة لا تعلم في المدارس. إن هذا الانسجام، بحسب دوبلدام، هو ما يصنع الفارق الحقيقي. ليس فقط في لحظة القفز فوق الحاجز، بل في كل لحظة تحتسب في طريق الفوز.

هل يستثمر الفارس العربي في هذه الرابطة؟
في العالم العربي، تملك الفروسية مكانة خاصة في القلب والوجدان، ولها تاريخ طويل. لكن مع ذلك في بعض الأحيان، قد تطغى المظاهر التقنية أو السرعة من أجل تحقيق النتائج على أهمية بناء علاقة عاطفية متينة مع الخيل. إن النجاحات الكبيرة لا تأتي من التدريب المكثف فقط، بل من الفهم العميق لطبيعة الحصان، ومن احترام شخصيته ومزاجه. لذا فإن كل فارس عربي يطمح للمنافسة عالمياً، عليه أن يستثمر في هذه الرابطة، وأن يمنحها نفس الوقت الذي يمنحه للتمارين والخطط الفنية.
حين يصغي الفارس يتحدث الحصان:
الخيل لا ينسى من أحسن إليه، ولا يتردد في إعطاء كل طاقته لمن وثق به. بالتالي إن العلاقة الحقيقية بين الفارس والحصان لا ترى بالعين، لكنها تظهر في الحلبة، وتترجم إلى إنجازات لا تنسى. إن النجاح في الفروسية، كما في الحياة، لا يبنى على الموهبة فقط، بل على الصدق، والرعاية، والثقة.
وهذا ما أراد جيروين دوبلدام أن يقوله ببساطة كخلاصة لتجربته في صنع النجاحات.
المصادر:
Equnews.com
Equine Behavior Journal
Horse & Hound Magazine
كيفية تنظيف وتزيين الحصان دليل شامل للمربين والهواة
محافظة كرمانشاه تحيي سلالة الخيول الكردية كعلامة تجارية وطنية
خطة وطنية لتعزيز تتبع الخيول وتحسين رفاهها في أيرلندا
سباق سوبرلاتيف ستيكس والخيول التي تميزت به بعمر السنتين
حملة عالمية لحماية الخيول من الإجهاد الحراري في المنافسات
الخيول تقلب العرض العسكري الفرنسي إلى فوضى بحضور ماكرون





Leave a Reply