كيف تساهم الخيول في صمود غزة بوجه الحصار والإبادة؟

في غزة اليوم، وفي ظل الحرب المستمرة عليها منذ أشهر تحولت تفاصيل اليوم العادي إلى رحلة صراع من أجل البقاء. فالشوارع التي كانت تضج بحركة الناس تحولت إلى ممرات مثقلة بالأنقاض، والمستشفيات تعمل بما تبقى من إمكانيات محدودة، فيما يقف الناس في طوابير طويلة بحثاً عن رغيف خبز أو جرعة ماء نظيفة. حيث أن الحصار المشدد المفروض عليها قد أغلق الأبواب أمام الوقود والدواء والغذاء، تاركاً الناس فيها في مواجهة مفتوحة مع العتمة والعطش والخوف. ووسط كل هذا الخراب، يبحث الغزيون عن بدائل تنقذهم من الشلل التام، لتظهر لنا مشاهد تعيد الذاكرة إلى عصور سابقة، حيث عادت الخيول والحمير لتكون وسيلة التنقل الأساسية في المدينة!

عربات تجرها الخيول تشارك في إنقاذ أهل غزة:

في قطاع غزة، يكاد التنقل يصبح ضرباً من الأحلام، حيث أن هذا الحصار قد منع وصول الديزل والبنزين، الأمر الذي أدى إلى تحول السيارات إلى قطع أثرية على الطرق. حيث أن السكان يجدون أنفسهم دون وسيلة نقل حديثة، وذلك بسبب استحالة تشغيل محركات السيارات أو إصلاحها بسبب النقص الشديد في كلٍ من قطع الغيار والوقود. نتيجة لكل ما سبق، أصبحت العربات التي تجرها الخيول والحمير هي الوسيلة الوحيدة الماثلة أمام الناس.

خيار قديم يكسر الحصار ويحاصر نتائجه:

إذا أردنا أن نلخص الحالة العامة في غزة فالأمر كما يلي: الحواجز الاسرائيلية حاصر غزة من كل جهة، وهي تمنع دخول وتوريد الوقود بالإضافة إلى كل أساسيات الحياة الأخرى، وكنتيجة لذلك تراجع وجود السيارات او اضمحل واختفى تقريباً. بينما بقيت الخيول والحمير  وحدها حاضرة في الساحة تقوم بما توقفت السيارات عن القيام به وهو تحمل عبءَ الطرق والتنقل ليستمر عصب الحياة في غزة ولو بنسبته الأقل والأدنى فهو يبقى استمرار وصمود. إن هذا التحول الكبير في وسائل التنقل ونحن في القرن الواحد والعشرين ليس جديداً ولا نادراً. ففي خان يونس، المدينة الفلسطينية المطلة على البحر المتوسط والتي تقع في جنوب غربي غزة  وعلى بعد 25كم من مدينة غزة المحاصرة توقفت  كذلك السيارات والمركبات عن الحركة، وصار النقل يرتكز على العربات التي تجرها الخيول والحمير. إلا أن أصبحت الآن عربات الحيونات أغلى ثمناً من السيارات والسبب الأساسي في ذلك في هذا الواقع الفلسطيني هو غياب الوقود.

أصبحت العربات التي تجرها الخيول والحمير هي الوسيلة الوحيدة الماثلة أمام الناس في غزة.
أصبحت العربات التي تجرها الخيول والحمير هي الوسيلة الوحيدة الماثلة أمام الناس في غزة.

مهام الخيول وأثر الحصار عليها:

إن مهام الخيول وحيوانات الجر في غزة الآن وفي باقي المدن الفلسطينية كثيرة ومتعددة فهي تحمل كلٍ من الأحياء والموتى، وكذلك النازحين،وحتى البضائع، وهذا بالطبع سوف يفرض ضغوطاً كبيرة على هذه الحيوانات. وقد أدى ذلك إلى نتائج خطيرة عليها حيث أن 43% من الخيول والحمير  التي كانت تعمل قبل الحرب قد ماتت أو أُصيبت، وبقي نحو 2,627 فقط. وكذلك فإن أصحاب العربات يضطرون لدفع تكلفة مرتفعة لاقتناء فرس أو حمار، حيث ارتفع سعر الواحد منها من نحو 200–300 دولار قبل الحرب، إلى نحو 3,000 دولار اليوم! أي تضاعف بنحو 10 أضعاف سعره السابق.

الخيول والحمير تتحول إلى سيارات إسعاف:

إضافة إلى ذلك، في كثير من الحالات قام أصحاب العربات بتحويل مسار أعمالهم بالاعتماد على خيواناتهم من خيول وحمير لتصبح  هذه الحيوانات “سيارات إسعاف” متنقلة، تحمل الجرحى والمصابين إلى المستشفيات وذلك بعد فقدان أو نفاد سيارات الإسعاف. ومع ذلك وربما بسبب ما تقدمه من دعم فإن حتى الخيول والحمير لم تسلم من أذى المحتل، حيث ان بعضها يتعرض بعض للضرب والتنكيل، وكذلك فهم قد يتعرضون للرماية من قبل العسكريين كنوع من التسلية. كما أن بعض هذه الحيوانات قد يصاب بشظايا تصل إلى أجسادهم، حيث يسارع اصحابها في هذه الحالة بالتوجه إلى الأطباء البيطريين في محاولة لمداواة الجرح والوصول إلى الشفاء.

الحيوانات المنقذة والعيادات المتنقلة بصيص أمل رغم الموت:

في قلب الخراب، ثمة فريق إنساني يتحدى الموت ليرسم بصيص أمل: فريق “Safe Havens for Donkeys”، بقيادة الدكتور سيف الدين، الذي يدير عيادة بيطرية متنقلة. وعلى الرغم من تعرض مركزه للقصف وتدميره بحادث يشبه “زلزالاً من السماء”، عاد الفريق ليسابق الموت ويجول في طرقات غزة بحثاً عن أدوات حياتية وإنسانية جديدة ليستمر في علاج الحمير والخيول والجِمال المنهكة.

الدكتور سيف الدين منذ بدء الحرب في أكتوبر عام 2023، قد عالج مع فريقه أكثر من سبعة آلاف حيوان. فهو يعرف حق المعرفة أن هؤلاء الحمير والخيول ليسوا مجرد حيوانات ناقلة، بل هم آخر خيط يربط الناس بالخدمات الأساسية التي يحتاجونها في حياتهم، فهم يحملون الجرحى، وينقلون الطعام والدواء، وحتى النساء الحوامل اللواتي تمكن من الوصول إلى المستشفيات بفضلهم. عن ذلك يقول الفريق: “حين نساعدهم، لا نحتفل. فقط نهمس بصلاة امتنان”.

الخيول والحمير رمز للمقاومة اليومية في غزة:

الخيول والحمير اليوم ليست مجرد وسيلة نقل في غزة، بل هي رمز للمقاومة اليومية، وكذلك رمز لانتصار الحياة واستمرارها رغم الحصار و الدمار. فقد تحولت هذه العلاقات بين البشر والحيوان لتختزل معاني التضامن والقدرة على التأقلم مهما كانت الظروف. ففي حي المغازي مثلاً، أحد السائقين عدل عربته ورفعها لتتسع للجرحى، وأضاف كذلك مظلةً لحماية الركاب من شظايا القنابل، وعندما ينتهي يومه لا يجد سوى قليل من العشب الذي يجمعه الجيران له ليعطيه لحماره المتعب.

إن هذا المشهد الرمزي؛ هو اتحادٌ بسيط بين الإنسان والحيوان لمقاومة الخراب دون أن يطلب شيئاً في المقابل. تجسد لنا هذه الحكايا قدرة الإنسان على ادالاستمرار في الحياة رغم أنف الحرب والظروف، كما أنها تؤكد صحة المثل الشعبي القديم”من لا قديم له ليس له جديد”، إذ يمكن للزمن الذي تطور بنا كثيراً في هذا القرن، أن يعود إلى الوراء في أي لحظة.

المقاومة الكبرى قد تبدأ بحمارٍ أو بحصان:

في غزة اليوم، تلك المدينّة التي يطغى عليها الدمار، تستمر الحياة عبر خيوط بدوية قديمة، عبر عربة تُجرّ بحمارٍ أو حصان يتنفس معه همَّ عائلتين. إن كل مشهد من هذه المشاهد هو شهادة على أن الإنسان حين يمنح آخر أدوات البقاء، لا يتردد في مواصلة الحياة بها.

إن الأمر ليس مجرد أزمة وقود، بل هو اختبار للكرامة والوجود. والحمير والخيول اليوم في غزة ليست مجرد حيوانات، بل أبطال يوميّون في معركة الحياة فهم يحملون أعباء الناس ويحمون الحرية  والشفاء وهم يجرون خلفهم عجلات بسيطة.

المصادر:

العربي الجديد

The Guardian

Middle East Eye

Al Jazeera

مزاد فخر بولندا وقفزة في مبيعات الخيول العربية لعام 2025

المغرب يستضيف مباراة “Title Show” لجمال الخيول العربية الأصيلة

رعاية الخيول في الصيف أهم قواعدها وقواعد الاستحمام

تدجين الخيول الغربية في فيتنام… قصة نجاح تفتح أبواباً للتنمية الاقتصادية

مونديال الخيول الصغيرة للقدرة في فرنسا كيف كان وقع الحضور العربي فيه؟

الرابط المختصر :