في السنوات الأخيرة طرحت تساؤلات قوية حول رفاهية الخيول المشاركة في رياضات الفروسية، الأمر الذي يمكن أن يضع “حلم الأولمبياد” لرباضات الفروسية على المحك فهل ستؤدي أزمة رفاهية الخيول إلى سحب الفروسية من الألعاب الأولمبية؟
فرس سقطت قدمها في السباق ومن ثم تم إعدامها:
في تقرير نشرته الصحيفة الإنـجليزية ABC News، ظهرت صور مروعة لخيل مصاب بشدة، مع تعليق يحذر القارئ من “محتوى صادم جداً”. هذا المحتوى الصادم يمكن اعتباره أُبرز مثال مؤلم عن هذا الأمر، حيث عرضت صورة لساق خيل مشوه — فرس حامل تدعى Quartz R — كان من المعتقد أنها ستتحول إلى خيل رياضي بارع. لكن الإصابات الجسيمة التي تعرضت لها، والعناية المشكوك فيها التي تلقتها بعد إصابتها، أثارت جدلاً كبيراً حول ما يحدث خلف الكواليس في صناعة الخيول وفيوالإسطبلات. فالتقارير الواردة تشير إلى أنه تم إبقاء الفرس لفترة بعد حدوث إصابتها، وذلك على الرغم من أن جزءاً من حافرها قد انفصل، وفي أحد مقاطع الفيديوالمنتشرة عن هذه الحادثة يسمع شخص يقول: “لقد سقطت قدمها”. وبعدها تم إعدامها (euthanised). وهذا ليس حادثاً معزولًا. الأزمة تشمل عدة وقائع، بعضها وصل إلى إدانات ضد فرسان معروفين، وبعضها يخضع الآن للتحقيق. وهذه الأزمة تترافق مع تزايد الضغوط المجتمعية تجاه الرياضة وحقوق الحيوان.
تحقيقات رسمية وتداعيات القصة:
مالك الفرس Quartz R هو Heath Ryan، مدرب وفارس سابق في فريق الفروسية الأولمبي الأسترالي، وتدور حوله الكثير من الشكوك حيث أنه تعرض لعدة اتهامات بإساءة معاملة الخيول، من بينها كان نشر فيديو يظهر اتباعه “أساليب تدريب مسيئة للخيل” هذا الفيديو تحول إلى فضيحة. حيث أن الهيئة الدولية المسؤولة عن الفروسية، FEI (الاتحاد الدولي للفروسية)، أعلنت أنها تحقق في الأمر بعد ورود عدة شكاوي إليها عن إساءة معاملة خيول من قبل Ryan. التحقيق لا يزال جارياً، ولم تصدر نتائج نهائية بعد. إن هذا الموقف الرسمي من FEI يعكس مدى الضغط الداخلي والخارجي الذي تتعرض له رياضة الفروسية، وخصوصاً بعد سلسلة فضائح رفعت من مستوى الوعي المجتمعي حول أهمية تحسين معاملة الخيول. كما أن كثير من عشاق الخيل والعاملين في مجال الفروسية قد بدأوا يعيدون النظر في ممارسات تربوية وتدريبية كانت تعتبر سابقاً “طبيعية” قبل عقد من الزمن لكن الآن يمكن القول أنه قد عفا عنها الزمن حيث أن التطورات والأبحاث والدراسات الحديثة في مجال الخيول قد تقدم لنا أساليب جديدة في التعامل مع الهيوا وتدريبها أكثر تطوراً وإنسانية ورحمة وإنتاجية في الوقت ذاته. كما أن هناك جهات رسمية أخرى بدأت تظهر اهتماماً أكبر بالرفق بالحيوان. ففي عام 2024، اعتمد الاتحاد الدولي للفروسية FEI خطة استراتيجية خاصة برفاهية الخيول تضم تمويلاً مخصصاً لمتابعة معايير العناية، والتغذية، والتدريب، والرعاية البيطرية.

صناعة الخيول مقابل أخلاق رعاية الخيول:
منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، ضخت رياضات الفروسية أموالاً كبيرة في تربية خيول نخبوية وتدريبها لصالح التفوق الرياضي. لكن البعض يرى أن هذا السباق على الميداليات جعل من الخيول “سلعة” أكثر من كونها رفيق أو كائن حي. يقول عالم الفروسية والعالم البيطري آندرو مكلاين Andrew McLean — عضو لجنة رفاهية الخيول في FEI — إن كثيراً من الخيول تعاقب على ما يعتبر “سلوك سيئ” في حين أن المشكلة تكمن غالباً في تطبيق تدريب قاسي على الخيل أو إحداث صدمة نفسية لديها. ويرى McLean أن الحل يبدأ بتغيير الثقافة القديمة لرياضة الفروسية من خلال اعتماد تدريب يعتمد على فهم نفسية الخيل، واستخدام أساليب لطيفة قائمة على الارتباط والثقة، وليس على السيطرة بالعنف أو الخوف. غير أن هذا التحول قد لا يكون سهلاً. فبعض ممارسات الفروسية التقليدية تعتبر “ضرورية” من قبل أصحابها للنجاح. لذا فإن التأقلم مع معايير جديدة يثير كالعادة الكثير من المخاوف التي تتجلى هنا بالخوف من حدوث ضعف في الأداء أو فقدان التنافسية.
من أوروبا إلى أستراليا جدل عالمي حول حقوق الخيول:
إن المخاوف بشأن رفاهية الخيل قد تجاوزت حدود بلد واحد. ففي شمال أوروبا، توجهت عدة اتحادات، منها اتحاد الفروسية في الدنمارك والسويد والنرويج وفنلندا، برسالة مشتركة إلى الاتحاد الدولي للفروسية FEI للمطالبة باتخاذ إجراءات أكثر صرامة لحماية الخيول. فالرسالة جاءت بعد حالات متعددة تعمل على كشف أساليب تدريب تعتبر مسيئة وخطرة على رفاهية الحيوانات. هذه الاتحادات ترى أن استمرار الرياضة من دون ضمان رعاية جدية وحماية حقيقية للخيول سوف يؤدي إلى فقدان الحاضنة الاجتماعية لرياضات الفروسية المختلفة أي أن دعم الجمهور لهذه الرياضة يمكن أن يختفي. وحتى داخل الاتحاد الدولي للفروسية و المؤسسات الرسمية المتعلقة بالفروسية بدأت تظهر مواقف تدعو علناً لإعادة التفكير بالمماريات القديمة التي تؤدي إلى إيذاء الخيوا جسدياً أو نفسياً، ففي النهاية الحصان كائن حي رافق الإنسان في رحلته الأرضية وقدم له العون اللازم في مختلف المهام فهو لا يستحق أن يكافئ بالأذى وإنما بالتقدير والرعاية إذ أن رياضة الفروسية بمختلف فروعها قائمة على أكتاف هذا الحيوان. وقد أقر اتخاد الفروسية رسمياً أن “رفاهية الحصان يجب أن تكون هي الأولوية دائماً”.
ما تأثير ما سبق على مستقبل الفروسية؟
إذا استمرت هذه التحقيقات وتزايد الضغط المجتمعي، فإن رياضات الفروسية سوف تقف أمام خيارين:
التجديد الجاد في أساليب التربية والتدريب للخيل، أو فقدان شرعيتها في نظر الرأي العام.
لذا إن إمكانية سحب الفروسية من الألعاب الأولمبية ليست فكرة بعيدة. كما يراها البعض، فقد يكون حذفها هو استجابة واقعية لتطور الوعي الجمعي والمجتمعي بقضايا حقوق الحيوان. ولكن ومن جهة أخرى، يمكن اعتبار هذه الأزمة فرصة، فهناك فرصة مؤاتية وسانحة الآن للعمل على إعادة بناء علاقة الفارس والحصان على أساس الاحترام والحماية، لا الاستغلال والاضطهاد وإيقاع الأذى. وبالتالي فإن كل العاملين في هذا المحال من مدربين وعمال وفرسان وحتى المنظمين والجمهور كلهم مدعوون لمساءلة أنفسهم من منطلق أخلاقي.
بين الحلم الأولمبي ومسؤولية الرحمة:
الخيول كانت دائماً حيوانات نبيلة شاركت الإنسان في الحروب، والزراعة، والسفر قبل أن تتحول إلى أدوات للرياضة التنافسية. ولكن اليوم، وعندما يتم عرض وجه آخر لهذه “الشراكة” — من خلال صور مؤلمة وإهمال واضح — يصح أن نسأل: هل يجب الاستمرار في هذا الطريق؟ وما هي الجدوى منها؟
إن من حقّ الجمهور أن يطالب أن تعامل الخيول ككائنات حساسة تستحق الرعاية بكرامة، لا كآلات لإظهار المهارة أو جمع الميداليات. وإذا أردنا أن تبقى الفروسية رياضة حقيقية، فعليها أن تبدأ من احترام الخيول أولاً. وكيفما كانت نتيجة التحقيقات، فإن هذا الحديث الصادق عن الرفق والرحمة هو أكثر من مجرد أزمة فهو دعوة لإعادة تعريف الأخلاق الإنسانية في علاقتنا مع الحيوان.
المصادر:
ABC News – Rhiannon Stevens: “As questions around horse welfare grow, equestrian sport is facing a reckoning
Reuters
الفارسة جيسيكا سبرينغستين وسر نجاحها في قفز الحواجز
نتائج الحفل الخامس لسباقات الموسم في الأحساء
الموسيقا الكلاسيكية تعزف للخيول في بريطانيا
في العلاقة مع الخيول هل السياط مجرد اكسسوارات ..؟
من يحكم على الفارس؟ وما هي أدوار الحكام في ميادين الفروسية؟
جامعة سينتيناري لركوب الخيل.. منصة تعليمية احترافية لعشاق الخيول
مدن القابضة تدخل عالم الفروسية الأمريكية





Leave a Reply