الفروسية تهيمن على عروض باريس للموضة

حملت عروض اليوم السادس من أسبوع الموضة في باريس روحاً جديدة تحاول أن تستعيد علاقة الإنسان بالحصان، ليس بوصفه رمزًا للقوة فحسب، بل كجسر يربط بين الحرية والانضباط. ففي قاعات العرض وأمام عدسات المصورين، بدت الفروسية حاضرة كفكرة وجمال ولغة تصميم، حيث اجتمعت دور الأزياء على إعادة تفسير هذا الإرث في أقمشة وألوان وخطوط حديثة.

هيرميس تعود إلى أصلها مع الفروسية:

دار هيرميس الفرنسية، التي كانت قد ولدت قبل قرنين من رحم صناعة السروج، أعادت في هذا الموسم الاتصال بجذورها العميقة في عالم الفروسية. حيث اختارت المصممة نادج فانيه سيبولسكي فضاءً رملياً مستوحىً من ميادين الخيول لعرض مجموعة ربيع وصيف 2026. وقد كان الممر أشبه بساحة تدريب، يذكر بالمشهد الأول الذي بدأت منه قصة الدار قبل أن تصبح رمزاً للأناقة العالمية.

قدمت سيبولسكي تصاميم تحمل رموز الفروسية في كل تفصيل تقريباً لجام يلتف على الصدرية، وأحزمة جلدية تمتد على الخصر، وأبازيم معدنية تذكر بعالم السرج، فيما ظهرت الصدريات الجلدية اللامعة إلى جانب تنانير طويلة أو شورتات برمودا تمتاز بالمرونة والجرأة.

الجلد، الذي شكل قلب العرض، لم يقدم كخامة ثقيلة أو جامدة، بل كعنصر حي يشبه حركة الحصان في انطلاقه. المصممة وصفت الأمر بأنه «تحية للحصان البري»، في إشارة إلى العلاقة بين القوة والانعتاق. وقد جاءت الألوان متناغمة ما بين البني والرملي والبيج والأسود، مع ومضات من الأحمر والأزرق الداكن لتمنح المجموعة بعداً بصرياً متجدداً.

أزياء الفروسية والموضة

هذه العودة المقصودة إلى أصل العلامة لم تكن تكراراً للتراث، بل ترجمة حديثة له، إذ نجحت هيرميس في تحويل أدوات الفروسية إلى مفردات جمالية تناسب الإيقاع العصري دون أن تفقد روحها الكلاسيكية.

إيلي صعب يستلهم انضباط الفارس وحرية الميدان:

في قصر طوكيو، قدّم المصمم اللبناني إيلي صعب رؤيته الخاصة للفروسية بلغة مختلفة. حيث ابتعد عن الزخرفة الثقيلة التي عرف بها، واتجه نحو تصميم أكثر انسيابية يستوحي من خفة الحركة ورشاقة الفارس.

وقد اعتمد صعب في مجموعته الجديدة على أقمشة تجمع بين الجلد الناعم والحرير المندفع، فبدت القطع وكأنها تتحرك من تلقاء نفسها. ظهرت تنانير قصيرة مرصعة بالكريستال تزينها ذيول منسدلة تذكر بحركة ذيل الحصان، وبلوزات بنقوش منقطة تعكس روح السباق والانطلاق.

اختار المصمم ألواناً ترابية تميل إلى البني والرملي، وتخللها البنفسجي والوردي والأصفر، في مزيج يعبر عن الدفء والضوء الذي يرافق لحظة ركض الخيل في المروج. ورغم الطابع الأنثوي الواضح، حملت المجموعة صرامة فنية في القصات تذكر بانضباط الفارس في التدريب.

قال صعب في تصريحات نقلتها وسائل إعلام فرنسية إن الفكرة كانت “الاحتفاء بالمرأة التي تشبه الفارس في شجاعتها وثقتها بنفسها”، مؤكداً أن الفروسية بالنسبة إليه ليست صورة جمالية فقط، بل موقف من الحياة.

الموضة وأزياء الفروسية

 الحصان والفروسية وحضورها الرمزي في عروض أخرى:

لم تقتصر رمزية الفروسية على دار هيرميس وحدها، فقد ظهرت إشاراتها أيضا ً في عروض أخرى بشكل غير مباشر. بعض المصممين استخدموا الجلد كرمز للصلابة، وآخرون استعانوا بقطع توحي بالسرج أو القيود الفروسية، وكأن الخيل تحول من كائن مادي إلى استعارة حية عن الحرية المنظمة.

في عرض فيفيين ويستوود، رغم الطابع الباروكي المفرط، كان هناك استدعاء ضمني لحركات الفارس في الأقمشة المتدفقة والكورسيهات المشدودة، حيث التناقض بين السيطرة والانطلاق. أما في عرض بالنسياغا الأول بتوقيع بييرباولو بيتشولي، فقد حضر الجلد بقوة في تشكيلات ضيقة ذات بناء هندسي يوحي بالدرع، كأن الجسد يتخذ ملامح الفارس الحديث وسط المدينة.

حضور ألوان الأرض وجلد الخيل في العروض:

تكررت الألوان الترابية والدرجات المطفأة في معظم العروض، وهذا ما جعلها السمة المشتركة لليوم السادس. هذه الألوان، المأخوذة من بيئة الخيول، حيث كانت جزءاً من السرد البصري الذي يجمع بين القديم والجديد.

في الوقت نفسه، عاد الجلد ليتحول إلى مادة أساسية في الموضة الباريسية، بعد مواسم هيمنت فيها الأقمشة الخفيفة والمواد الاصطناعية. وقدم المصممون رؤى مختلفة لاستخدامه حيث ظهر  مرة في شكل صدريات قصيرة، وأحياناً في معاطف طويلة أو تفاصيل دقيقة حول الخصر والكتفين.

هذه العودة إلى الخامة الطبيعية تتماشى مع توجه أوسع في عالم الموضة نحو الأصالة والمواد المستدامة، وهي فكرة ترتبط أيضاً بعلاقة الفارس بفرسه، القائمة على الرعاية والانسجام لا على السيطرة وحدها.

إرث يتحرك بخفة:

ما ميز اليوم السادس في باريس هو أن الفروسية لم تكن مجرد تيمة زخرفية أو مصدر إلهام شكلي، بل تحولت إلى لغة فكرية في التصميم. فكل عرض حاول بطريقته أن يترجم فكرة العلاقة بين الإنسان والطبيعة، بين الانضباط والحركة، وبين الجسد والحرية.

هيرميس استعاد التاريخ ليمنحه حياة جديدة، وإيلي صعب مزج بين الأنوثة والفروسية بجرأة هادئة، فيما استلهم الآخرون القوة المادية والرمزية للجلد. ومع ذلك، بقي الخيط الواصل بينهم جميعاً هو الحصان كرمز للكرامة والاتزان.

الموضة كممارسة فكرية تشبه ركوب الخيل:

قدمت عروض باريس هذا العام رؤية مختلفة لعلاقة الجمال بالقوة. فالموضة لم تعد مجرّد زينة، بل أصبحت ممارسة فكرية تشبه ركوب الخيل، وتتطلب توازناً ما بين الرغبة في الانطلاق والقدرة على التحكم. ومن خلال هذه الصياغة البصرية الدقيقة، بدت الفروسية وكأنها كناية عن العصر نفسه؛ فعالم سريع الحركة يبحث عن معناه في العودة إلى الجذور.

في النهاية، لم يكن اليوم السادس احتفاءً بالماضي فحسب، بل محاولة لبعثه من جديد في شكل معاصر. ومن حوافر الخيل إلى منصات العرض، ومن السرج إلى الخصر، وجدت الفروسية طريقها إلى الموضة بوصفها لغة تروي حكاية الحرية والانضباط في آن واحد.

المصادر:

Reuters

Vogue

Arab News

سحر هايد بارك على ظهر حصان: رحلة عبر أربعة قرون من التاريخ

حلول رقمية لمسائل الخيول والفروسية في معرض الفرس بالجديدة

أقوى خيول السباق في العالم لعام 2025

أخطر الأمراض التي قد تواجه خيولك في فصل الخريف

تشخيص وعلاج مشاكل الإنجاب لدى الأفراس

رئيس الأمن العام يبحث مع نادي راشد للفروسية وسباق الخيل سبل التعاون المشترك

الرابط المختصر :