أظهرت دراسة أمريكية حديثة أن تفاعلًا لا يتجاوز ثلاث دقائق مع خيول وحمير قزمة يمكن أن يرتبط بتحسن ملحوظ في الحالة الانفعالية لدى المراهقين. لكن الدراسة لم تتوقف عند قياس أثر وجود الحيوان على الإنسان، بل بحثت في سؤال أكثر تعقيدًا: هل يؤثر سلوك الإنسان في الحيوان، ثم ينعكس سلوك الحيوان بدوره على الحالة النفسية للإنسان؟
الدراسة أجراها باحثان من جامعة كاليفورنيا في ديفيس، ونشرت في مجلة “Scientific Reports” في 15 أيلول/سبتمبر 2026. وقد شارك فيها 61 مراهقًا ضمن برنامج صيفي لسلوك الحيوان نظمته جهة إنقاذ غير ربحية في مدينة ديفيس بولاية كاليفورنيا، خلال صيف 2025.
تجربة قصيرة صُممت لقياس التفاعل من الطرفين
لم يدخل المشاركون إلى الحظيرة مباشرة. تلقوا أولًا تدريبًا قصيرًا استمر نحو عشر دقائق، تعرّفوا خلاله إلى إشارتين سلوكيتين لدى الخيل والحمير.
الإشارة الأولى كانت حركة متكررة في الشفة العليا أطلق عليها الباحثون “lip wiggling”، واعتبرت مؤشرًا محتملًا على حالة إيجابية أو تفاعل تقبلي لدى الحيوان. أما الإشارة الثانية فكانت ابتعاد الحيوان عن الشخص، واعتبرت علامة على الانسحاب أو الرغبة في إنهاء التفاعل.
استخدم الباحثون صورًا ومقطع فيديو وشرحًا مباشرًا، ثم أجروا اختبارًا قصيرًا للتأكد من فهم المشاركين لهذه الإشارات.
بعد ذلك قُسّم المراهقون عشوائيًا إلى مجموعتين. طلب من المجموعة الأولى تمرير اليد بلطف وبحركة مستمرة على ظهر الحيوان. أما المجموعة الثانية فطُلب منها حك منطقة الرقبة بحركات أكثر ثباتًا وتكرارًا، في طريقة تشبه السلوك الذي تستخدمه الخيول في تنظيف بعضها بعضًا.
أربعة حيوانات ومجال مفتوح للتفاعل
ضمّت التجربة أربعة حيوانات فقط: حصانين قزمين وحمارين قزمين، وكان كل نوع ممثلًا بأم وصغيرها. وكانت الحيوانات الأربع من حيوانات الإنقاذ. وقد عاشت معًا في الحظيرة نفسها لأكثر من عامين قبل الدراسة.
جرى التفاعل داخل المساحة الخارجية التي تعيش فيها الحيوانات، من دون تقييدها. ودخل المراهقون إلى المكان في مجموعات صغيرة تراوحت بين شخصين وأربعة أشخاص، ثم أتيح لهم التفاعل مع حيوان واحد أو أكثر لمدة ثلاث دقائق.
وكان للحيوانات حرية الاقتراب من المشاركين أو البقاء معهم أو الابتعاد عنهم. كما امتنع الباحثون عن إجبار الحيوان الأكثر تحفظًا على التفاعل، في خطوة تتفق مع الفكرة الأساسية للدراسة، وهي التعامل مع الحيوان بوصفه طرفًا مشاركًا وليس أداة علاجية سلبية.
ماذا حدث لمزاج المراهقين؟

قبل التفاعل وبعده مباشرة، قيّم المشاركون خمس حالات انفعالية على مقياس من صفر إلى سبعة: القلق أو التوتر، والحزن، والإثارة، والوحدة، والهدوء.
وأظهرت النتائج تغيرًا ذا دلالة إحصائية في الحالات الخمس بعد ثلاث دقائق فقط.
انخفض متوسط القلق والتوتر من 2.57 إلى 1.97. كما انخفض الحزن من 1.62 إلى 1.33، والوحدة من 2.05 إلى 1.59.
وانخفضت كذلك درجة الإثارة من 4.99 إلى 4.52، بينما ارتفع الشعور بالهدوء من 4.75 إلى 5.39.
ولم تكن هذه التغيرات محصورة في نوع واحد من التفاعل. فقد ظهرت الاتجاهات نفسها لدى المشاركين الذين قاموا بالمداعبة والمشاركين الذين حكّوا رقبة الحيوانات.
ولا تعني هذه النتائج أن ثلاث دقائق مع حيوان يمكن أن تعالج اضطرابًا نفسيًا. الدراسة قاست تغيرًا انفعاليًا قصير الأمد بعد تفاعل واحد، ولم تختبر تأثير هذه التجربة على المدى الطويل.
الحيوانات نفسها استجابت لطريقة اللمس
الجزء الأكثر أهمية في التجربة ظهر عند مقارنة سلوك الحيوانات بالمجموعتين.
من بين 51 مشاركًا اكتملت لديهم بيانات السلوك الحيواني، قال 75% ممن استخدموا طريقة حك الرقبة إنهم لاحظوا حركة الشفة العليا لدى الحيوانات. وبلغت النسبة 48.1% فقط لدى مجموعة المداعبة.
أما الابتعاد عن الشخص فظهر بصورة مختلفة تمامًا. فقد أبلغ 88.9% من المشاركين في مجموعة المداعبة عن ابتعاد الحيوان، مقابل 41.7% في مجموعة حك الرقبة.
وكان الفرق في الابتعاد ذا دلالة إحصائية قوية، بينما كان الفرق في حركة الشفة العليا في الاتجاه المتوقع لكنه لم يصل إلى مستوى الدلالة الإحصائية في النموذج المستخدم.
هذه النتيجة مهمة لأنها تشير إلى أن طريقة تعامل الإنسان لا تؤثر فقط في شعوره هو، بل يمكن أن تغير أيضًا استجابة الحيوان أثناء التفاعل.
عندما يصبح ابتعاد الحيوان جزءًا من الفائدة

ظهرت نتيجة أكثر إثارة للاهتمام عند دراسة العلاقة بين سلوك الحيوانات والتغير في المشاعر.
المراهقون الذين لاحظوا حركة الشفة العليا لدى الحيوان سجلوا انخفاضًا أكبر في الشعور بالوحدة. وكان الفرق دالًا إحصائيًا بعد أخذ مستوى الوحدة قبل التجربة في الاعتبار.
لكن المفاجأة ظهرت في سلوك الابتعاد. فالمشاركون الذين شاهدوا الحيوان يبتعد عنهم سجلوا انخفاضًا أكبر في الحزن.
وهذا لا يعني أن ابتعاد الحيوان هو بحد ذاته علاج للحزن. فجميع المشاركين شهدوا انخفاضًا في الحزن، سواء ابتعد الحيوان أم لا. والنتيجة تعني فقط أن مقدار الانخفاض كان أكبر لدى من لاحظوا هذا السلوك.
ويطرح الباحثون احتمالًا مثيرًا للاهتمام: ربما يكون إدراك المراهق أن الحيوان يملك حرية الاقتراب أو الابتعاد جزءًا من طبيعة التفاعل التي تمنحه قيمة. لكن هذه الآلية لم تختبر مباشرة في الدراسة، ولذلك تبقى تفسيرًا يحتاج إلى أبحاث لاحقة.
“فرضية الاتجاهين”
أطلق الباحثان على الإطار الذي تختبره الدراسة اسم “فرضية الاتجاهين”. وتقوم الفكرة على أن العلاقة بين الإنسان والحيوان ليست في اتجاه واحد.
فالإنسان يتصرف بطريقة معينة، والحيوان يستجيب لذلك السلوك. ثم يمكن أن تؤثر استجابة الحيوان في التجربة النفسية للإنسان.
وهذا يختلف عن بعض الدراسات التقليدية في مجال التدخلات بمساعدة الحيوانات، التي تركز أساسًا على النتيجة لدى الإنسان وتتعامل مع الحيوان كجزء ثابت من البيئة.

في هذه الدراسة، حاول الباحثون قياس الحلقة كاملة: طريقة تعامل الإنسان، ثم استجابة الحيوان، ثم التغير في الحالة الانفعالية للإنسان.
لماذا اختيرت الخيول والحمير القزمة؟
يرى الباحثون أن صغر حجم هذه الحيوانات يجعل التفاعل الأرضي معها أسهل، خصوصًا مع المراهقين. كما أن الخيول والحمير من الحيوانات المستخدمة أصلًا في برامج التدخلات بمساعدة الحيوانات.
لكن استخدام الحمير القزمة والخيول القزمة في الدراسات التجريبية المنظمة ما يزال محدودًا مقارنة بأبحاث الخيول الأكبر حجمًا.
وقد توفر هذه الحيوانات مزايا عملية، مثل سهولة التفاعل معها من الأرض وانخفاض المتطلبات البدنية لبعض الأنشطة. وفي الوقت نفسه، يحذر الباحثون من التعامل معها بوصفها متشابهة في السلوك، لأن لكل حيوان شخصيته واستجاباته وتفضيلاته الخاصة.
الدراسة تضع رفاه الحيوان داخل المعادلة
من أبرز ما تضيفه الدراسة أنها لا تتعامل مع رفاه الحيوان باعتباره مجرد شرط أخلاقي لإجراء التجربة.
فالنتائج تشير إلى احتمال أن تكون راحة الحيوان ودرجة رغبته في المشاركة جزءًا من الآلية التي تحدد فائدة التفاعل للإنسان أيضًا.
إذا كان الحيوان أكثر ارتياحًا واستعدادًا للتفاعل، فقد ينعكس ذلك على طبيعة التجربة التي يعيشها الشخص. وبالمقابل، فإن احترام رغبة الحيوان في الابتعاد قد يكون جزءًا من تفاعل أكثر طبيعية وأقل إكراهًا.
ويفتح ذلك بابًا أمام تصميم برامج علاجية وتعليمية مستقبلية لا تقيس نجاحها بما يحصل عليه الإنسان فقط، بل بما إذا كان التفاعل مفيدًا للطرفين أيضًا.
ما هي حدود هذه النتائج؟
رغم أهمية التجربة، فإن حجم العينة بقي محدودًا نسبيًا. شارك 61 مراهقًا في قياس التغيرات الانفعالية، بينما استند تحليل السلوك الحيواني إلى بيانات 51 مشاركًا.
كما أن الباحثين لم يعتمدوا على تسجيل مستقل لسلوك الحيوانات في التحليل الأساسي، بل على ما أفاد المشاركون بأنهم شاهدوه. وقد يؤثر انتباه المشارك وحالته الانفعالية وتوقعاته في قدرته على ملاحظة السلوك.
كذلك لم تتضمن الدراسة مجموعة ضابطة لا تتفاعل مع الحيوانات. لذلك لا يمكن استخدامها لإثبات أن الحيوانات وحدها هي سبب التغيرات، أو فصل تأثير الحيوان عن تأثير اللمس والبيئة والتجربة الاجتماعية المصاحبة.
ولم يظهر معدل ضربات القلب تغيرًا موازيًا للتغيرات الانفعالية. كما اقتصرت الدراسة على تفاعل واحد مدته ثلاث دقائق، ولذلك لا نعرف من هذه النتائج وحدها ما إذا كانت الآثار تستمر لساعات أو أيام أو أسابيع.
التفاعل مع الحيوانات يؤثر بالمؤشرات الانفعالية
في النهاية تقدم الدراسة دليلًا تجريبيًا على أن تفاعلًا قصيرًا جدًا مع الخيول والحمير القزمة ارتبط بتحسن عدة مؤشرات انفعالية لدى المراهقين. والأهم أنها تقترح أن تفسير هذه الفائدة لا ينبغي أن يركز على الإنسان وحده.
فالطريقة التي يلمس بها الإنسان الحيوان يمكن أن تغير سلوك الحيوان، وسلوك الحيوان يمكن أن يرتبط بدوره بدرجة التغير في مشاعر الإنسان.
وبهذا المعنى، لا تقدم الدراسة “ثلاث دقائق مع حصان” بوصفها علاجًا نفسيًا، بل تطرح نموذجًا مختلفًا لفهم العلاقة بين الإنسان والحيوان: علاقة متبادلة، يكون فيها رفاه الحيوان جزءًا من فهم الفائدة التي يمكن أن يحصل عليها الإنسان.
المصادر:
مجلة “Scientific Reports”، الدراسة الأصلية: Mutual wellbeing in an equine-assisted intervention: experimental evidence for the two-way hypothesis and the importance of interaction method، 15 أيلول/سبتمبر 2026.
جامعة كاليفورنيا، ديفيس، كلية العلوم البيولوجية، تفاصيل الدراسة وتصريحات الباحثين.
في ريف الرقة.. الخيل العربي بين إرث العائلة وتحديات البقاء
مزاد الخيول العربية في الأردن يرفع سقف المنافسة إلى 80 ألف دينار
«الهدة» تفتتح سباق اللقايا بانتصار سريع في مهرجان العين للهجن
هجن الشيحانية تنتزع سيف الحيل المفتوح في ختام مهرجان ولي العهد بالطائف
حصان هارب يربك حركة المرور في صلالة قبل السيطرة عليه





Leave a Reply