في منطقة كانالي مونترانو بإقليم لاتسيو وسط إيطاليا، ما زال مشهد الفرسان الذين يقودون قطعان الأبقار عبر المراعي المفتوحة جزءاً من الحياة اليومية. وذلك برغم التحولات الكبيرة التي شهدها القطاع الزراعي خلال العقود الماضية. ويعرف هؤلاء الفرسان باسم “البوتيري”، وهم رعاة ماشية ارتبطت مهنتهم بتاريخ منطقة الماريما الممتدة بين لاتسيو وتوسكانا.
ورغم أن التطور التكنولوجي قد غيّر شكل العمل الزراعي في معظم أنحاء أوروبا، فإن البوتيري ما زالوا يحافظون على حضورهم من خلال الجمع بين الممارسات التقليدية والوسائل الحديثة. في نموذج يعكس قدرة المهن التراثية على التكيف مع المتغيرات من دون فقدان هويتها الأساسية.
دور محوري في الحياة الريفية
على مدى قرون، شكّل البوتيرو أحد الأعمدة الرئيسية للاقتصاد الريفي المحلي. فقد كان مسؤولاً عن إدارة قطعان الأبقار في المراعي المفتوحة، ومتابعة تنقلها بين المناطق المختلفة. إضافة إلى الإشراف على عمليات الفطام والتجميع والرعاية اليومية للحيوانات.
حيث اعتمدت هذه المهنة على مهارات متخصصة في ركوب الخيل والتعامل مع الحيوانات في بيئات مفتوحة واسعة. إذ كانت الخيول تمثل الوسيلة الأكثر فاعلية للوصول إلى القطعان المنتشرة عبر التلال والمراعي الطبيعية.
وفي تلك الفترة، لم تكن وسائل النقل الحديثة أو أنظمة التتبع الإلكترونية متاحة، لذلك اعتمد المربون بشكل شبه كامل على خبرة البوتيري ومعرفتهم الدقيقة بطبيعة الأرض وسلوك الحيوانات.
التكنولوجيا تعيد رسم المشهد
لقد شهدت العقود الأخيرة تغيرات كبيرة في أساليب تربية الماشية وإدارة المزارع. حيث دخلت الجرارات والآلات الزراعية الحديثة وأنظمة التعريف الإلكترونية للحيوانات إلى القطاع، ما أسهم في رفع الكفاءة وتقليل الوقت والجهد اللازمين لإنجاز كثير من المهام.
وكذلك أدى هذا التحول إلى تراجع الحاجة إلى بعض الوظائف التقليدية التي كان يؤديها البوتيرو في الماضي. كما تقلص عدد العاملين في المهنة مقارنة بما كان عليه الحال قبل نصف قرن أو أكثر.
لكن هذه التغيرات لم تؤدِّ إلى اختفاء البوتيري بالكامل، بل دفعتهم إلى إعادة تعريف دورهم داخل المنظومة الزراعية الحديثة. فبدلاً من الاعتماد الحصري على المهارات التقليدية، أصبحوا يجمعون بين الخبرة الميدانية والأدوات الحديثة لإدارة القطعان ومتابعة صحتها وتنقلها.
جيل جديد يختار العودة إلى الجذور
من أبرز ملامح المشهد الحالي دخول جيل جديد من الشباب إلى هذا المجال، في وقت تتجه فيه أعداد كبيرة من الأوروبيين نحو المدن والوظائف الحديثة.
ويعود اهتمام بعض الشباب بالمهنة إلى عوامل متعددة، من بينها الرغبة في الحفاظ على التراث المحلي، والبحث عن أسلوب حياة أكثر ارتباطاً بالطبيعة. وذلك بالإضافة إلى الروابط العائلية التي ما زالت تجمع كثيراً من أبناء المنطقة بالزراعة وتربية الماشية.
ويشير العاملون في هذا المجال إلى أن الحفاظ على المهنة لم يعد مرتبطاً فقط بالعائد الاقتصادي، بل أصبح جزءاً من الحفاظ على ذاكرة المكان والهوية الثقافية للمنطقة.
مهرجان «ريارتو».. استعادة للذاكرة الجماعية
في محاولة للحفاظ على هذا الإرث، تنظم جمعية “بوتيري دي كانالي مونترانو” سنوياً فعالية “ريارتو”، التي تحولت إلى أحد أبرز الأحداث التراثية في المنطقة.

ويستعيد المهرجان أجواء الحياة الريفية القديمة التي كانت تسبق انتقال القطعان بين المراعي الموسمية. كما يضم عروضاً ومسابقات تعتمد على المهارات التقليدية التي اشتهر بها البوتيري عبر الأجيال.
ومن أبرز الفعاليات مطاردة العجل، حيث تتنافس فرق من الفرسان على الإمساك بالحيوان باستخدام أدوات تقليدية خاصة. كل ذلك في محاكاة رمزية لبعض الممارسات التاريخية المرتبطة بإدارة القطعان.
ولا يقتصر دور المهرجان على الجانب الترفيهي، بل إنه يؤدي وظيفة ثقافية وتعليمية مهمة. إذ يتيح للزوار التعرف إلى تفاصيل الحياة الريفية القديمة وأساليب العمل التي كانت سائدة قبل دخول التكنولوجيا الحديثة.
أكثر من مجرد مهنة
يرى باحثون في التراث الريفي أن أهمية البوتيري تتجاوز الجانب المهني. فهذه الفئة تمثل جزءاً من الهوية التاريخية لمنطقة الماريما، وتختزن خبرات متراكمة تتعلق بالتعامل مع الحيوانات وإدارة المراعي والعيش في البيئات الطبيعية.
كما تعكس تجربتهم التحولات التي شهدها الريف الأوروبي خلال القرن الماضي. حيث انتقلت المجتمعات الزراعية من الاعتماد على العمل اليدوي والمهارات التقليدية إلى استخدام التكنولوجيا والأنظمة الحديثة.
وفي هذا السياق، أصبحت المهرجانات والأنشطة التراثية وسيلة للحفاظ على الذاكرة الجماعية ونقل المعرفة إلى الأجيال الجديدة، خصوصاً في ظل تراجع عدد المهن التقليدية المرتبطة بالريف.
بين الأصالة والتجديد
تواجه مهنة البوتيرو اليوم تحدياً يتمثل في كيفية الحفاظ على جوهرها التاريخي مع الاستمرار في التكيف مع متطلبات العصر. ويبدو أن التجربة الإيطالية تسير نحو تحقيق هذا التوازن عبر دمج التراث في الحياة المعاصرة بدلاً من حصره في المتاحف أو المناسبات الرمزية فقط.
ففي الوقت الذي أصبحت فيه التكنولوجيا جزءاً أساسياً من إدارة المزارع، ما زالت الخيول والمهارات التقليدية تحافظ على حضورها في الحياة اليومية وفي الفعاليات الثقافية التي تستقطب آلاف الزوار سنوياً.
وبين المراعي المفتوحة في لاتسيو والتلال الممتدة نحو توسكانا، يواصل البوتيري كتابة فصل جديد من تاريخ مهنة عريقة. وقد أثبتت قدرتها على البقاء رغم تغير الأزمنة، لتظل شاهداً على العلاقة العميقة بين الإنسان والأرض في واحدة من أقدم المناطق الريفية في إيطاليا.
المصدر:
يورونيوز.
خيول السباق لها حق الاختيار في مشروع أوربي
الهجن في أوربا .. كيف وصلت سباقات الهجن إلى الطرف الآخر من العالم؟
بطولة أوروبا لخيول العصا في براغ تستقطب مشاركين من 11 دولة وتؤكد تنامي الرياضات البديلة بين الشباب
الإسطبل الأخضر السعودي يوسّع حضوره العالمي عبر مضامير الخيل الأمريكية
دراسة جديدة تعيد رسم تاريخ الفروسية والهجرات البشرية عبر أوراسيا





Leave a Reply