من سباق إلى صناعة.. كيف تعيد السعودية تشكيل اقتصاد الهجن؟

من سباق إلى صناعة.. كيف تعيد السعودية تشكيل اقتصاد الهجن؟
من سباق إلى صناعة.. كيف تعيد السعودية تشكيل اقتصاد الهجن؟

لم تعد سباقات الهجن في السعودية نشاطًا رياضيًا منفصلًا عن بقية الاقتصاد، بل تتجه تدريجيًا إلى منظومة أوسع تجمع المنافسة الرياضية، وتربية الهجن، والتدريب، والرعاية البيطرية، والإنتاج، وتنظيم الفعاليات، والسياحة، والإعلام.

ويقدم مهرجان ولي العهد للهجن 2026، المقام حاليًا في ميدان الطائف التاريخي، نموذجًا واضحًا لهذا التحول، مع جوائز تتجاوز 50 مليون ريال وبرنامج يمتد حتى 13 سبتمبر.

ويأتي ذلك في وقت يتزايد فيه الحضور الدولي للهجن السعودية، ليس فقط من خلال مشاركة ملاك وفرسان من دول عربية مختلفة، وإنما أيضًا عبر اهتمام شخصيات دبلوماسية وثقافية من خارج المنطقة.

وكان سفير فيتنام لدى السعودية، هوانغ هو انه، من أحدث الزائرين للمهرجان، حيث قال بعد زيارته إن مشاهدته المباشرة للمنافسات غيرت الصورة التقليدية التي تختصر الهجن في وصف “سفينة الصحراء”، وأظهرت له ارتباطها بالثقافة والهوية والتاريخ. كما أشار إلى أن الهجن تمثل جزءًا من التراث الإنساني الأوسع.

اهتمام دولي يتجاوز السباق

سفير فيتنام لدى السعودية هوانغ هو انه
سفير فيتنام لدى السعودية هوانغ هو انه

زيارة السفير الفيتنامي تحمل دلالة تتجاوز مضمون التصريح نفسه. فالمهرجان لم يعد يخاطب ملاك الهجن والمتخصصين فقط، وإنما يقدم تجربة يمكن أن تستقبل الزائر الأجنبي وتشرح له العلاقة بين الإنسان والهجن في المجتمع السعودي.

وقال السفير إن الفعاليات التي نظمتها السفارة السعودية في هانوي خلال عامي 2024 و2025 أسهمت في تعريف الجمهور الفيتنامي بمكانة الهجن في الثقافة السعودية.

وهذا النوع من التواصل يفتح مسارًا مختلفًا أمام القطاع، لأن الرياضة تتحول هنا إلى وسيلة للتعريف بالثقافة، فيما تتحول الثقافة بدورها إلى عنصر جذب للسياحة والفعاليات الدولية.

ويكتسب هذا البعد دعمًا من الاعتراف الدولي ببعض الممارسات المرتبطة بالهجن.

فقد أدرجت اليونسكو عام 2022 “الحداء”، وهو تقليد شفهي يستخدمه مربو الإبل للتواصل مع قطعانهم، ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية، بمشاركة السعودية والإمارات وعُمان.

وتصف المنظمة الحداء بأنه ممارسة ترتبط بعلاقة الإنسان بالهجن وتنتقل المعرفة بها بين الأجيال.

لكن الاعتراف الثقافي لا يعني تلقائيًا تحول سباقات الهجن إلى صناعة. الانتقال إلى الصناعة يحتاج إلى سوق، وخدمات، واستثمارات، وبنية تحتية، ومهارات متخصصة، ومستهلكين، ومؤسسات قادرة على تنظيم النشاط وإدارته. وهذه هي النقطة التي تجعل التطورات الأخيرة في السعودية أكثر أهمية من مجرد ارتفاع قيمة الجوائز.

جوائز كبيرة وسوق يتوسع

خصص الاتحاد السعودي للهجن أكثر من 30.4 مليون ريال لجوائز أشواط الرموز الـ24 في النسخة الثامنة من مهرجان ولي العهد، من إجمالي جوائز يتجاوز 50 مليون ريال.

العوامل المؤثرة في سباقات الهجن
العوامل المؤثرة في سباقات الهجن

وتضم المنافسات أكثر من 240 شوطًا، بما يجعل المهرجان واحدًا من أكبر التجمعات الرياضية المرتبطة بالهجن من حيث حجم المنافسة والجوائز والمدة.

وتظهر قيمة الجوائز في سياق اقتصادي أوسع. فالجائزة لا تذهب إلى مطية فائزة فقط، وإنما ترتبط بسلسلة طويلة من الإنفاق والاستثمار تبدأ من شراء المطية وتربيتها، مرورًا بالتغذية والتدريب والرعاية البيطرية والنقل، وصولًا إلى تجهيزها للمنافسات.

وكلما ارتفع مستوى المنافسة، ازدادت الحاجة إلى خدمات أكثر تخصصًا. ويشمل ذلك الأطباء البيطريين، ومختصي التغذية، والمدربين والمضمرين، ومرافق الإيواء، ومستلزمات التدريب والنقل. إضافة إلى الخدمات الإعلامية والتقنية المرتبطة بإدارة السباقات وتغطيتها.

من هذه الزاوية، تصبح قيمة الجوائز أحد مؤشرات النشاط الاقتصادي، لكنها ليست المؤشر الوحيد. فحجم الإنفاق الذي يسبق لحظة السباق، وعدد العاملين في القطاع، وقيمة الهجن المتداولة، وحجم الخدمات المرتبطة بها، كلها عناصر أكثر أهمية عند قياس ما إذا كانت الرياضة قد بدأت تتحول إلى صناعة فعلية.

البنية التحتية تتغير أيضًا

جانب من المهرجان
جانب من المهرجان

ترافق نمو المهرجان مع تطوير ميدان الطائف التاريخي. وأعلن الاتحاد السعودي للهجن في يوليو الماضي استكمال مجموعة من المشاريع التطويرية، شملت إنشاء مسار تدريبي بطول 11 كيلومترًا يحيط بمضمار طوله 10 كيلومترات، وربطه بمضمار آخر يبلغ طوله 6 كيلومترات، إضافة إلى ربط العزب في الميدانين.

هذه التفاصيل تبدو فنية، لكنها تحمل أثرًا اقتصاديًا مباشرًا. فالمضمار الحديث لا يخدم أيام السباقات فقط، وإنما يسمح بالتدريب والاستعداد ويزيد قدرة الموقع على استقبال المنافسات والفعاليات المختلفة.

كما أن وجود بنية تحتية متخصصة يرفع من قدرة المدن على استضافة الزوار والملاك والمشاركين، ويخلق طلبًا على النقل والإقامة والطعام والخدمات المساندة. ومن هنا يمكن لسباقات الهجن أن تصبح جزءًا من اقتصاد الفعاليات، بدل أن تبقى نشاطًا موسميًا محدودًا بالمنافسة نفسها.

الطائف تستفيد من اقتصاد الفعاليات

اختيار الطائف لاستضافة المهرجان يمنحه بعدًا اقتصاديًا محليًا أيضًا. فالمشاركون والزوار لا يقيمون في ميدان السباق، بل يحتاجون إلى الفنادق والمطاعم والنقل والخدمات التجارية.

وهذه العلاقة بين الرياضة والاقتصاد المحلي ليست جديدة عالميًا. البطولات الرياضية الكبرى عادة ما تخلق حركة مؤقتة في المدن المضيفة، لكن نجاحها على المدى الطويل يتوقف على قدرة المدينة على تحويل الحدث إلى نشاط متكرر، واستثمار البنية التحتية خارج أيام المنافسة.

ويقدم مهرجان ولي العهد نموذجًا يمكن تطويره في هذا الاتجاه، خصوصًا مع اتساع برنامجه. ففي النسخة الثامنة أضيفت منافسات “المزاين” للمرة الأولى، إلى جانب سباقات الفئات المختلفة وسباق الهجانة للرجال والسيدات والأشواط العربية.

هذا التنوع يقلل من اعتماد المهرجان على نوع واحد من الجمهور، ويتيح تقديم الهجن من زوايا متعددة: الرياضة، والإنتاج، والجمال، والتدريب، والثقافة.

المشاركة العربية توسع السوق

من المؤشرات الأخرى على توسع القطاع استضافة أشواط عربية مخصصة للاتحادات العربية غير الخليجية. وأعلن الاتحاد السعودي للهجن أن البرنامج يشمل فئات ومسافات مختلفة، للراكب البشري والراكب الآلي.

وفي سباق الهجانة للراكب البشري هذا العام، شارك 69 هجانًا وهجانة يمثلون ست جنسيات عربية. وضم شوطا الرجال مشاركين من السعودية والكويت والجزائر والأردن، بينما شاركت في منافسات السيدات متسابقات من السعودية واليمن والبحرين والإمارات.

هذه المشاركة لا تغير شكل المنافسة فقط، بل توسع أيضًا شبكة العلاقات بين الاتحادات والملاك والمتخصصين. ومع الوقت، يمكن لهذه الشبكة أن تدعم انتقال الخبرات والخدمات والخيول والهجن بين الأسواق العربية، وأن تخلق روزنامة أكثر انتظامًا للمنافسات.

من الموروث إلى الاقتصاد الرياضي

هناك فرق بين الحفاظ على الهجن باعتبارها جزءًا من الهوية الثقافية، وبين بناء اقتصاد حديث حولها. السعودية تبدو في المرحلة الثانية أكثر من أي وقت مضى.

فالمهرجان يحمل وظيفة رياضية واضحة، لكنه في الوقت نفسه يستقطب جمهورًا دوليًا، ويطور البنية التحتية، ويمنح جوائز مالية كبيرة، ويفتح المجال أمام فئات جديدة من المشاركين، ويوسع المشاركة العربية، ويضيف أنشطة جديدة إلى البرنامج.

كما أن تطور القطاع يخلق حاجة إلى المعرفة المتخصصة. فإدارة الهجن المشاركة في المنافسات الكبرى تتطلب معرفة دقيقة بالسلالات، والتغذية، والتدريب، والرعاية الصحية، وإدارة السباقات. وهذا يخلق مساحة لتطوير التعليم والتدريب المهني والبحث العلمي المرتبط بالإبل.

وتظهر بعض هذه التحولات حتى داخل المهرجان نفسه. فقد أشارت تقارير محلية إلى استمرار برامج تدريب الكفاءات الوطنية في مجالات مثل التعليق الرياضي، بما يعكس اتساع المنظومة الإعلامية المصاحبة للرياضة.

ما الذي يلزم لكي تصبح صناعة مكتملة؟

رغم المؤشرات الإيجابية، فإن وصف سباقات الهجن بأنها “صناعة” يحتاج إلى أكثر من الجوائز والفعاليات. الصناعة المستدامة تحتاج إلى بيانات واضحة عن حجم السوق، وعدد المنشآت، والاستثمارات الخاصة، وفرص العمل، وقيمة الخدمات، وحجم السياحة المرتبطة بالمنافسات.

كما تحتاج إلى تنظيم سوق الهجن وتطوير آليات البيع والتقييم والتأمين والتمويل والرعاية البيطرية، إضافة إلى الاستثمار في التقنيات التي يمكن أن ترفع كفاءة التدريب والمتابعة الصحية وتوثيق السلالات والأداء.

وتبقى مشاركة القطاع الخاص عنصرًا حاسمًا. فكلما اتسع حضور الشركات في الرعاية والخدمات والتقنية والإعلام والسياحة، أصبح النشاط أقل اعتمادًا على الجوائز والتمويل المرتبط بالبطولات، وأكثر قدرة على إنتاج قيمة اقتصادية مستقلة.

مهرجان يعكس مرحلة جديدة

حتى الآن، لا يمكن القول إن سباقات الهجن أصبحت صناعة مكتملة في السعودية، لكن المؤشرات المتراكمة تشير إلى انتقالها من نموذج رياضي تقليدي إلى قطاع أكثر تنظيمًا واتساعًا.

مهرجان ولي العهد للهجن يقدم صورة واضحة لهذا التحول. فهناك منافسات بمستويات مختلفة، وجوائز تتجاوز 50 مليون ريال، ومرافق تتطور، ومشاركة عربية ودولية، وبرامج لتأهيل الكفاءات، وأنشطة جديدة، واهتمام متزايد من الزوار والمؤسسات الثقافية والدبلوماسية.

أما زيارة السفير الفيتنامي، فتضيف بعدًا آخر للصورة. فهي تظهر كيف يمكن لسباق هجن سعودي أن يتحول إلى نافذة يتعرف من خلالها الزائر الدولي على علاقة المجتمع السعودي بالإبل، لا بوصفها جزءًا من الماضي فقط، بل باعتبارها نشاطًا حيًا يتطور أمامه قطاع رياضي واقتصادي جديد.

وبين الميدان والسوق، تبدو الخطوة التالية أكثر وضوحًا: إذا نجحت السعودية في تحويل البنية التحتية والمنافسات والخدمات والمعرفة إلى منظومة مترابطة، فقد لا تبقى سباقات الهجن مجرد رياضة ذات جذور عميقة، بل تصبح صناعة قائمة بذاتها، تجمع بين الرياضة والثقافة والسياحة والاستثمار.

المصادر:

وكالة الأنباء السعودية “واس”.

صحيفة البلاد

موقع كل يوم

الوكالة الوطنية للأنباء

موقع منظمة اليونسكو.

من البرسيم إلى الجوز الأسود.. نباتات قد تتحول إلى خطر صامت على الخيول

أربعة كؤوس تحسم صراع الجذاع في مهرجان ولي العهد للهجن بالطائف

سوق المطايا يتجاوز 60 مليون ريال مع تصاعد الاستثمار في مهرجان ولي العهد للهجن

الهجن السعودية تبدأ بقوة في منافسات “اللقايا” بمهرجان ولي العهد

 

الرابط المختصر :