في الفروسية المكسيكية ما يميزها عن غيرها إذ تطالعنا بين الشاريريا و إسكاراموزا رقصة الفروسية. نشأت رياضة الشاريريا (Charrería) في القرن السادس عشر في المكسيك كنتيجة مباشرة لتقاليد رعاة الماشية. حيث كانت المهارات اليومية لرعاة المزارع – مثل التحكم بالحصان، والتقاط الحيوانات بالحبل – تتحول تدريجياً إلى عروض ومنافسات داخل ساحات خاصة تسمى ليينسو شاررو (lienzo charro). ومع مرور الوقت ، تحولت هذه الممارسات إلى رياضة رسمية تحت مظلة تنظيمية، وأصبحت جزءاً من الهوية الوطنية المكسيكية. وفي الواقع، فقد صنفت الشاريريا من قِبل اليونيسكو كجزء من التراث الثقافي غير المادي للمكسيك، الأمر الذي يؤكد أهميتها الثقافية والاجتماعية.
بين الرياضة والفن ما هي مكونات الشاريريا؟
يتكون الحدث الأساسي في الشاريريا من منافسات متعددة تعرف باسم “سويرتيس” (suertes)، وهي عروض فروسية تتطلب قدرات عالية من الترويض، والتجديف بالحبل، والتحكم بدقة في الحصان. حيث تجرى هذه المنافسات في ليينسو شاررو، والذي يعتبر ساحة بيضاوية على شكل دائرة مرتبطة بممر طولي. وتشمل هذه المنافسات تنويعات عديدة مثل رمي الحبل، القبض على الخيول، مناورات السرعة، وغيرها من الحركات التقليدية. إضافة إلى ذلك، تبرز الملابس التقليدية كجزء لا يتجزأ من هذه التجربة: فرجال ال-شارّوس (Charros) يرتدون بدلات مطرزة وقبعات كبيرة، مأخوذة من تراثهم وتاريخهم.
إسكاراموزا رقصة الفروسية النسائية ضمن الشاريريا:
بينما ظلت الشاريريا لفترات طويلة مجالاً يهيمن عليه الرجال، ظهر منها فرع نسائي مميز يعرف باسم إسكاراموزا (Escaramuza Charra). وكلمة “إسكاراموزا” تعني «مواجهة صغيرة» أو «اشتباك»، ولكن هذه المواجهة هي في الواقع عبارة عن رقصة فروسية متناسقة تجمع ما بين الانضباط والدقة والجمال. إذ يتكون فريق الإسكاراموزا غالباً من ثماني راكبات تشارك منها دفعة واحدة في الحلبة، مع إمكانية أن يكون لدى الفرق حتى 16 عضواً لكن ثمانية فقط يركبن في وقت المنافسة. هذه الرقصة التراثية التي تقدمها الفرق تتضمن 12 حركة محددة مسبقاً، وفيها يتم تقييم الأداء بناءً على السرعة، ودقة التشكيل، والتزام الراكبات بالزمن، وأيضاً تناغم الفريق.
والجدير بالذكر أن الحد الأقصى لوقت الروتين في المنافسة لا يتجاوز ثماني دقائق، الأمر الذي يفرض ضغطاً كبيراً على التنظيم والتدريب.

المهارات والزي ..مزيج بين الأناقة والتحدي:
أثناء عروض الإسكاراموزا، تركب الراكبات على ظهور خيولهن بطريقة جانبية (sidesaddle)، مما يزيد من صعوبة المناورات ويجعل التناغم أكثر أهمية. والملابس التقليدية هي أيضاً عنصر مهم جدًا في المنافسات وهي تتكون من فساتين أدليتا (Adelita) مستوحاة من النساء اللواتي شاركن في الثورة المكسيكية، وتحظى بعناية كبيرة، إذ تخاط غالباً يدوياً، ولا ننسى التفاصيل الفضية المطرزة.
وكذلك يوجد نوعان من الأزياء المسموح بها في هذه المنافسات: زي ال-أدليتا وملابس ال-شارا (Charra)، وكلا النوعين يعكس إرث المكسيك الثقافي. ويتم تقييم أداء الراكبات من قبل حكمات يعرفن بـ “السوداس (lady judges)”، حيث ينظرن إلى دقة الحركة، التزام التشكيل، تناغم الحركات، والأناقة.
التحضيرات والتدريب خلف الكواليس:
ما تراه في الحلبة من مناورات سريعة ومتوازنة هو نتيجة ساعات طويلة من التدريب. ففرق الإسكاراموزا تتدرب بانتظام، غالباً مرتين في الأسبوع، وقد يمتد وقت التدريب إلى بضع ساعات في كل جلسة. كما أنه قبل كل عرض، تجري الراكبات استعدادات دقيقة تشمل ترتيب الخيل، وتصفيف الشعر، وضبط السروج، بل وحتى لحظة دعاء جماعي في كثير من الأحيان، كنوع من الطقوس الروحانية قبل الدخول إلى المنافسة.
واللافت أن العلاقة بين الراكبة وخيلها تعد حجر الزاوية للنجاح في هذه المنافسات حيث أن التناغم بينهما يساعد على تنفيذ التشكيلات بدقة وسرعة، لذا فإن الثقة تعتبر عامل مهم جداً في المنافسات.
ما هو معنى الإسكاراموزا في اليوم الحاضر؟

إسكاراموزا ليست مجرد رياضة، بل هي تعبير ثقافي عميق. فعبر مناوراتها المنسقة، تحتفي الراكبات بتراث المكسيك، وتستذكر النساء اللواتي لعبن أدواراً مهمة في التاريخ المكسيكي. كما تعطي هذه الرياضة مساحة للتمكين النسائي داخل مجال الفروسية التقليدي، فالتحدي هنا لا يقتصر على الأداء الفردي، بل على التعاون والتناغم بين عضوات الفريق.
والفرق لا تقتصر على المكسيك فقط، بل هناك فرق مكسيكية-أمريكية تنشيء هذا التراث في الولايات المتحدة أيضاً.
بالنسبة للعديد من الراكبات، فإن المشاركة في عروض الإسكاراموزا تمثل أيضاً رسالة فخر بالهوية، وصلة بين تراث الأجداد والوقت الحاضر.
التقدير العالمي للإسكاراموزا:
شهدت الإسكاراموزا في السنوات الأخيرة تداولاً إعلامياً أوسع، بفضل صور عرضت في مجلات مثل Vogue التي وصفتها بأنها مزيج بين القوة والجمال، والفن والفروسية.
كما نقلت وسائل إعلام أمريكية قصص فرق إسكاراموزا في الولايات المتحدة، ونقلت كيف تحتفظ الفتيات المكسيكيات والأمركيات-المكسيكيات بهذا التقليد في جيلٍ جديد من المنافسة. وأما من الناحية التنظيمية، فيخضع فرع الإسكاراموزا لقواعد رسمية ضمن الاتحاد المكسيكي للشاريريا، وتتنافس الفرق على مدار موسم يمتد عادة من فبراير إلى نوفمبر.
زمع تزايد الاهتمام الدولي، يمكن أن تكون الإسكاراموزا إحدى الواجهات الثقافية التي تربط بين تراث المكسيك والعالم، وتساعد في الحفاظ على هذه الرياضة التقليدية لأجيال قادمة.
إن رياضة الشاريريا، وفي قلبها فرع الإسكاراموزا، تمثل سيمفونية ثقافية فريدة: فروسية، تراث، قوة أنثوية، وهيبة تاريخية كلها مترابطة في رقصة دقيقة على ظهور الخيول. إن ما تفعله الراكبات ليس مجرد منافسة؛ بل إنه انعكاس لفخر الهوية، وإظهار لمكانة المرأة في قصة المكسيك التقليدية. فمن خلال التدريب الصارم والالتزام بالزي والتشكيلات الجميلة، فإن الفارسات المكسيكيات يواصلن كتابة صفحات جديدة في هذا التراث العريق، ليمهدن بذلك الطريق لجيل ناشئ يعشق الخيل والتاريخ بالقدر ذاته.
المصادر:
موسوعة ويكيبيديا
موقع Traditional Sports
KESQ News
قانون رايدر في نيويورك وحظر العربات المجرورة بالخيل
محافظة الجيزة تدعم الخيول والجمال بقوافل بيطرية مجانية
حصان كفيف يتحدى الصعاب ويفوز في إيكويفيست
تأثير العلاج بالخيول على الأطفال المصابين بالتوحد
قريباً انطلاق النسخة الجديدة من بطولات الفجيرة





Leave a Reply