في ريف القنيطرة، لا تقتصر تربية الخيول العربية الأصيلة على امتلاك عدد من الخيول والعناية بها. بل ترتبط لدى بعض العائلات بمعرفة متوارثة تتصل بالأنساب وطرق التربية والانتخاب والحفاظ على الصفات المميزة للسلالة.
حيث تسلط جولة حديثة لمراسل «سوريا الآن» في إحدى مزارع الخيول بالمنطقة الضوء على هذا الجانب من الحياة الريفية.
إذ لا تزال تربية الخيل حاضرة بوصفها نشاطاً يرتبط بالتراث المحلي، وفي الوقت نفسه جزءاً من منظومة أوسع للحفاظ على الخيول العربية الأصيلة في سورية.
وتكتسب القنيطرة أهمية خاصة في هذا المجال. فقد وثقت تقارير سورية سابقة وجود سلالات عربية أصيلة في المحافظة، وارتباط تربيتها بعائلات توارثت هذه المهنة جيلاً بعد جيل.
كما أشارت تقارير محلية إلى وجود اهتمام بتوثيق الأنساب والصفات الخاصة بكل رأس من الخيل.
إرث يتجاوز الجانب الاقتصادي
تربية الخيول العربية في القنيطرة ليست نشاطاً اقتصادياً منفصلاً عن البيئة المحيطة.
فالخيل ارتبط تاريخياً بالمجتمع الريفي والبدوي في بلاد الشام، وكان امتلاك الجواد والعناية به جزءا من المكانة الاجتماعية والثقافية للعائلة.
وتشير مصادر متخصصة بتاريخ الخيل العربي في سورية إلى الدور الذي لعبته بادية الشام في نشأة عدد من الأرسان العربية المعروفة.
وأيضاً إلى الصلات التاريخية بين الخيل العربي ومناطق سورية مختلفة، بينها القنيطرة ودمشق وحمص ودير الزور وغيرها.
وفي القنيطرة تحديداً، تحدثت تقارير سابقة عن انتشار سلالات عربية أصيلة، وعن قدرة الخيول التي تربى في المنطقة على التكيف مع طبيعة التضاريس والظروف المناخية المتغيرة.
كما عرفت أسماء أرسان عربية مثل الكحيلة والصقلاوية والحمدانية وغيرها ضمن تاريخ تربية الخيل في المنطقة.
وتكمن أهمية هذه التفاصيل في أن الحفاظ على الخيل العربي لا يتعلق بالشكل الخارجي وحده، وإنما بالأنساب والسجلات والصفات الوراثية أيضاً.
النسب أهم من المظهر

في تربية الخيول العربية الأصيلة، لا يكفي أن يمتلك الجواد مظهرا جميلا أو بنية رياضية جيدة حتى يصنف ضمن السلالة الأصيلة. فالتوثيق الوراثي وسجلات النسب يمثلان جزءاً أساسياً من عملية الحفاظ على السلالات.
وهذا الجانب أصبح أكثر أهمية مع توجه سورية إلى تطوير منظومة وطنية أكثر تنظيما لتسجيل الخيول العربية.
ففي يوليو 2026 أعلنت وزارة الزراعة السورية خطة وطنية شاملة لحماية السلالات العربية الأصيلة وتطوير برامج التربية والانتخاب.
وتشمل الخطة توسيع عمليات التسجيل والوشم، وتثبيت الصفات الوراثية بالاعتماد على نتائج علمية، إضافة إلى استخدام تحليل الحمض النووي DNA للتحقق من أنساب الفحول والإناث.
وتشير الوزارة إلى أن حملات التوثيق والوشم التي نفذت خلال السنوات الماضية أسهمت في بناء قاعدة بيانات وطنية تضم آلاف الخيول العربية الأصيلة. وذلك في خطوة تهدف إلى الحد من ضياع الأنساب وتوفير قاعدة أكثر دقة لبرامج التربية المستقبلية.
القنيطرة في خريطة الخيل السوري
تؤكد المصادر السورية أن القنيطرة احتفظت بمكانة خاصة في مجال الخيول العربية. ففي تقرير نشر عام 2025، أُشير إلى أن تربية الخيول لدى عائلة الطحان في قرية كودنة بريف المحافظة الجنوبي تمتد لأكثر من أربعة قرون، وأن العائلة حافظت على هذه المهنة عبر أجيال متعاقبة.
كما أشار التقرير إلى أن بعض الخيول تحمل وشوماً خاصة ووثائق وسجلات تتضمن بياناتها وأنسابها، وهو ما يعكس أهمية التوثيق في الحفاظ على السلالة.
وكذلك توجد إشارات أقدم إلى حضور قوي للخيول العربية الأصيلة في مناطق القنيطرة، مع تسجيل أعداد من الخيول ومتابعة عمليات الولادة والنقل وتسجيل الأنساب والملكية.
حيث أن هذه الاستمرارية، رغم اختلاف الظروف بين مرحلة وأخرى، تكشف أن تربية الخيل في المنطقة ليست ظاهرة حديثة، وإنما نشاط له جذور اجتماعية واقتصادية عميقة.
تحديات التربية تفرض نفسها

لكن استمرار هذا الإرث لا يعني أن المربين يعملون في ظروف سهلة.
وتواجه تربية الخيول العربية في سورية مجموعة من التحديات، أبرزها ارتفاع أسعار الأعلاف، وتراجع بعض المراعي، وصعوبة تأمين الأدوية والخدمات البيطرية. إضافة إلى ارتفاع التكلفة الإجمالية للحفاظ على الخيل حتى يصل إلى مرحلة الإنتاج أو المنافسة.
وتضع وزارة الزراعة هذه التحديات ضمن أبرز الملفات التي تواجه قطاع الخيول، مشيرة إلى تأثير ارتفاع تكاليف الأعلاف وتراجع المراعي بسبب الجفاف وارتفاع تكلفة الأدوية والرعاية البيطرية.
وتزداد أهمية هذه المشكلة عندما يتعلق الأمر بالخيول الأصيلة؛ لأن الحفاظ على سلالة معينة يحتاج إلى برامج تربية مدروسة، وليس مجرد زيادة أعداد الخيول.
من المزرعة إلى مشروع وطني
تأتي أهمية المزارع الخاصة في القنيطرة وغيرها من المحافظات من كونها تمثل الحلقة الميدانية في منظومة الحفاظ على الخيل العربي.
فالمراكز الرسمية تستطيع توفير برامج التوثيق والتربية العلمية، لكن المربين هم الذين يحتفظون بجزء كبير من الخبرة العملية المتعلقة بالسلالات والأنساب وطرق التعامل مع الخيل.
وكذلك تشير الجمعية السورية للخيول العربية الأصيلة إلى وجود عدد كبير من المرابط والإسطبلات ومزارع التربية في سورية. كما تضع ضمن أهدافها الحفاظ على الخيول المسجلة نقية، وتحسين نسلها، ودعم المربين والتعريف بالخيول السورية عربيا ودوليا.
وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى المزرعة التي تناولتها «سوريا الآن» باعتبارها نموذجاً مصغراً لمشكلة أكبر: كيف يمكن تحويل الخبرة العائلية المتوارثة إلى معرفة موثقة تستفيد منها برامج التربية الحديثة؟
التكنولوجيا تعيد تعريف الحفاظ على السلالة
لم يعد الحفاظ على الخيل العربي يعتمد فقط على معرفة المربي وخبرته الطويلة. فالتقنيات الحديثة، وخصوصاً تحليل DNA وقواعد بيانات الأنساب، أصبحت أدوات مهمة في منع اختلاط السلالات وضمان دقة المعلومات الوراثية.
وهذا الاتجاه يتقاطع مع عمل مراكز الخيول العربية الأصيلة، الذي يركز على المحافظة على السلالات العربية وتحسينها وإكثارها، ويستخدم تقنيات حديثة في التربية والتناسل، إلى جانب برامج صحية وغذائية وتدريبية.
ومن شأن الجمع بين المعرفة التقليدية والتوثيق العلمي أن يمنح المربين فرصة أفضل للحفاظ على الصفات الوراثية المميزة. بدلاً من أن تبقى المعرفة محصورة داخل العائلة أو تنتقل شفهيا من جيل إلى آخر.
الخيل العربي كجزء من هوية سورية

وتأتي هذه الجهود في وقت يبدو فيه الاهتمام الرسمي بالخيل العربي في سورية أكثر وضوحاً. ففي يوليو 2026 أقيمت بطولة العرض الوطني لجمال الخيول العربية الأصيلة في نادي الفروسية المركزي بالديماس، بمشاركة مربي الخيول العربية الأصيلة، في فعالية أكدت حضور الخيل العربي ضمن التراث الثقافي والوطني السوري.
ويعني ذلك أن الحفاظ على الخيل العربي لم يعد قضية تخص المربين وحدهم. فالسجلات، والمزارع، والمراكز المتخصصة، والبطولات، والخبرات العائلية، كلها حلقات في سلسلة واحدة.
ومن هنا تكتسب قصص مزارع الخيول في ريف القنيطرة قيمتها.
فهي لا تقدم صورة عن حيوان يعيش في الإسطبل فحسب، وإنما تكشف عن معرفة اجتماعية متوارثة وعن علاقة طويلة بين الإنسان والبيئة والخيل.
وبينما تتجه سورية نحو توسيع التسجيل والتوثيق واستخدام التقنيات الوراثية، يبقى التحدي الأساسي هو تحويل هذا الإرث المتفرق إلى منظومة مستدامة قادرة على حماية السلالات، ودعم المربين. وفتح الطريق أمام الخيل السوري للعودة بصورة أكثر انتظاما إلى ميادين الجمال والسباقات والرياضات الفروسية.
المصادر:
سوريا الآن.
وكالة الأنباء السورية «سانا».
صحيفة الثورة.
الجمعية السورية للخيول العربية الأصيلة.
«شديا» تحسم لقب كأس رئيس الدولة للخيول العربية في إسبانيا
بعد ثمانية أعوام.. العثور في برادفورد على مهر نادر سُرق من اسكتلندا
رباعي السعودية في آخن.. خبرة وطموح في بطولة العالم لقفز الحواجز
فراي وغلامورديل يحتفظان بلقب العالم في آخن.. اختبار صعب ينتهي بذهبية بريطانية
أشهر الثنائيات في عالم الفروسية.. عندما يصنع الفارس والحصان التاريخ معاً





Leave a Reply