تواجه مزارع الخيول ومراكز الفروسية في فرنسا أزمة متزايدة مع تراجع إنتاج العشب والتبن بعد صيف اتسم بموجات حر وجفاف شديد. وبينما لا يزال الشتاء على بعد أسابيع، بدأت بعض المنشآت بالفعل في استهلاك المخزونات التي كانت مخصصة عادة للأشهر الباردة. وهذا ما يثير مخاوف بشأن الإمدادات والأسعار خلال الفترة المقبلة.
حيث تتركز المخاوف بصورة خاصة في نورماندي، إحدى أهم مناطق تربية الخيول في فرنسا، حيث تضررت المراعي من نقص الأمطار وارتفاع درجات الحرارة، فيما أصبحت إعادة بناء مخزونات التبن أكثر صعوبة.
موسم التبن بدأ مبكرا
في مزرعة “بولو دو كامبو” قرب ليزيو، اضطرت المزارعة إستيل شوفالييه إلى تقديم التبن لخيولها منذ مطلع يوليو، بينما تبدأ المزرعة عادة باستخدامه في نوفمبر.
وتنتج المزرعة جزءا كبيرا من احتياجاتها بنفسها، لكن إنتاجها هذا العام لم يتجاوز نحو ثلثي الكمية المعتادة. وقد اشترت شوفالييه عشرة أطنان من منطقة أور المجاورة بسعر 155 يورو للطن، مقارنة مع 120 يورو في السابق، ولا تزال تحتاج إلى نحو 100 طن إضافية.
وبالتالي توضح هذه الأرقام طبيعة المشكلة: الأزمة لا تتعلق فقط بارتفاع السعر، بل بتراجع الكميات المتاحة في السوق في وقت يحتاج فيه أصحاب الخيول إلى تأمين مخزونات تكفي الشتاء.
تراجع كبير في نمو المراعي

تؤكد البيانات الحكومية الفرنسية حجم الضغط الذي تعرضت له المراعي خلال الصيف. فقد أظهرت بيانات هيئة الإحصاء الزراعي “أغريست” أن نمو المراعي الدائمة حتى نهاية يوليو كان أقل بنحو 30 في المئة من متوسط الفترة المرجعية 1989-2018.
وكان الوضع قد بدأ بالتدهور بصورة واضحة منذ يونيو ويوليو، مع استمرار نقص المياه وتوالي موجات الحر، ما أدى إلى توقف نمو العشب في مناطق واسعة من البلاد.
وفي أغسطس، واصلت السلطات الفرنسية التعامل مع آثار الجفاف والحرائق وموجات الحر، مع تسجيل قيود على استخدام المياه في عشرات المناطق. وقالت وزارة الزراعة إن الجفاف أثر في المراعي وأدى إلى نقص الأعلاف وتدهور الوضع المالي لبعض المزارعين.
الخطر لا يتعلق بالكمية فقط
بالنسبة إلى قطاع الخيول، لا يعني نقص العشب انخفاض كمية التبن فحسب. فالجفاف يمكن أن يؤثر أيضا في جودة العلف، ويقلل فرص الحصول على حشائش جديدة خلال نهاية الصيف وبداية الخريف.
حيث حذرت شارلوت فوستيك، مديرة مجلس الخيول في نورماندي، من مجموعة آثار مترابطة، بينها تقلص مساحة الرعي الصيفي، وانخفاض حصاد التبن، وتراجع جودة بعض الأعلاف، إضافة إلى احتمال انتشار نباتات غير مرغوبة أو سامة للخيول في ظروف الجفاف.
ويشير مجلس الخيول في نورماندي إلى أن صيف 2026 شهد موجات حر متتالية وجفافا شديدا أضعفا المراعي ورفعا المخاطر المتعلقة بمخزونات العلف خلال الأشهر المقبلة
المزارعون يستهلكون احتياطيات الشتاء
تزداد صعوبة الوضع عندما تبدأ المزارع في استخدام الكميات التي كانت مخصصة أصلا للشتاء. فإذا استمرت الأحوال الجافة ولم تعد المراعي إلى إنتاجها الطبيعي خلال الخريف، فقد تجد بعض المنشآت نفسها أمام موسم بارد بمخزونات أقل وأسعار أعلى.
وبالتالي هذا السيناريو لا يخص الخيول وحدها. فقد أشارت الهيئة الوطنية الفرنسية للمنشأ والجودة إلى أن الجفاف دفع بعض مربي الحيوانات إلى استخدام مخزونات الشتاء في وقت مبكر، محذرة من أن استمرار نقص الأمطار قد يجعل تأمين الغذاء أكثر صعوبة في الأشهر المقبلة.
وتعكس تقارير القطاع الزراعي الفرنسي صورة أوسع للأزمة؛ إذ تعرضت المراعي والمحاصيل لضغوط كبيرة خلال الصيف، واضطر بعض المربين إلى تقليص فترات الرعي أو نقل الحيوانات مبكرا إلى أماكن توفر لها الأعلاف.
مراكز الفروسية أمام مشكلة أكبر
تختلف قدرة مزارع الخيول على التعامل مع الأزمة بحسب نموذج عملها. فالمزارع التي تنتج جزءا كبيرا من تبنها تستطيع الاعتماد جزئيا على إنتاجها، لكنها تظل معرضة لخطر انخفاض المحصول.
أما مراكز تعليم ركوب الخيل والإسطبلات التجارية، فتواجه تحديا أكبر لأنها تعتمد غالبا على شراء العلف من الخارج. ولذلك فإن ارتفاع الأسعار أو انقطاع الإمدادات ينعكس مباشرة على تكاليف تشغيلها.
ويقول ماتيو دوبري، مدير “إسطبلات موت” قرب ليزيو، إنه يحتاج إلى نحو 80 طنا من التبن بينما لا يملك سوى 40 طنا. ومع صعوبة العثور على بائعين، بدأ يبحث عن بدائل غذائية ويخفض الاعتماد على التبن لصالح الحبوب والحبيبات.
محاولات للحد من الخسائر

بدأ أصحاب المزارع في اتخاذ إجراءات لتقليل استهلاك المخزونات. وتشمل هذه الإجراءات خفض عدد الحيوانات في الهكتار الواحد، وإعادة توزيع بعض أنواع الأعلاف بين الحيوانات، واستخدام الحبوب والحبيبات لسد جزء من النقص.
وفي نورماندي، أطلقت غرفة الزراعة منصة إلكترونية للمساعدة في الربط بين أصحاب الأعلاف والبائعين والمشترين، في محاولة لتسهيل الوصول إلى الموارد المتاحة قبل أن تتفاقم المشكلة مع اقتراب الشتاء.
لكن بعض أصحاب الخيول يواجهون خيارات أكثر صعوبة، بينها تقليل أعداد الحيوانات التي يحتفظون بها. ويصبح هذا الخيار معقدا بالنسبة إلى مراكز الفروسية التي تحتاج إلى عدد كاف من الخيول لتقديم دروسها وأنشطتها.
أزمة محلية أم إشارة إلى تغير أوسع؟
تكشف أزمة التبن الفرنسية عن مشكلة تتجاوز موسم جفاف واحدا. فالتغيرات المناخية تجعل موجات الحر والجفاف أكثر حضورا في مواسم الزراعة والرعي، ما يزيد الحاجة إلى إدارة أفضل للمياه والمراعي ومخزونات الأعلاف.
وتظهر تجربة 2026 أيضاً أهمية التخطيط المسبق في قطاع الخيول. فالمشكلة التي تبدو في البداية نقصاً في العشب الصيفي يمكن أن تتحول بعد أشهر إلى أزمة في التبن وارتفاع في تكاليف الإيواء والتغذية، خصوصاً إذا دخل الشتاء قبل أن تستعيد المراعي قدرتها على النمو.
وقد بدأ قطاع الخيول في نورماندي بالفعل الدعوة إلى الاستعداد المبكر لنقص الأعلاف، من خلال تقييم المخزونات وتقدير الاحتياجات وتقليل المشتريات الاضطرارية.
الخريف يحدد حجم الأزمة
يبقى الطقس خلال الأسابيع المقبلة عاملا حاسما. فإذا هطلت أمطار كافية وعادت درجات الحرارة إلى مستويات تسمح بنمو العشب، يمكن للمراعي أن تستعيد جزءاً من قدرتها على الإنتاج وتخفف الضغط على المخزونات.
أما إذا استمر الجفاف، فقد تدخل مزارع الخيول الشتاء بمخزونات أقل من المعتاد، في وقت تكون فيه إعادة شراء التبن أكثر تكلفة وأصعب من الناحية اللوجستية.
وبذلك، لا تبدو أزمة التبن في فرنسا مجرد مشكلة غذاء موسمية للخيول، بل اختبارا لقدرة قطاع الفروسية على التكيف مع ظروف مناخية أكثر تقلبا. وما يحدث في المراعي خلال صيف واحد قد يحدد تكاليف تربية الخيول وتشغيل الإسطبلات ومراكز الفروسية طوال الموسم التالي.
المصادر:
agreste.agriculture.gouv.f
federationconseilchevaux.fr
Label EquuRES.
خيول إماراتية تختبر صدارة سباقات الخيل العربية في تاربس الفرنسية
السعودية تدفع بتطوير هجن السباقات نحو التحسين الوراثي
كيف تعرف أن حصانك يعاني نقصًا غذائيًا؟ علامات صامتة قد تكشف خللًا في صحة الخيل قبل فوات الأوان
فيرفيلد وموسلبيرغ يستضيفان سباقات مستوية للجياد الواعدة
محمد الدهام.. خيال سعودي صنع التاريخ في تحدي الخيالة العالمي
من الإهمال إلى التعافي.. حصان في تركيا يتحول إلى رمزٍ لإنقاذ الحيوانات بعد حملة تضامن واسعة
«حياتي في 12 حصانًا» كيف روى نيكي هندرسون قصة عمره عبر الخيول التي صنعت مجده؟





Leave a Reply