تتجه التكنولوجيا الحيوية في الإمارات إلى مساحة تتقاطع فيها العلوم الحديثة مع حماية الموروث الحيواني. خاصة مع استعراض مركز الإمارات لأبحاث التكنولوجيا الحيوية خلال معرض أبوظبي الدولي للصيد والفروسية 2026 ثلاث تجارب في مجال استنساخ الحيوانات، شملت أنواعًا نادرة من الذئاب، وماعز الألبين، وجِمال المزاينة.
ولا يقدّم المركز هذه التجارب باعتبارها إنجازات مخبرية منفصلة، بل ضمن توجه أوسع لاستخدام التقنيات الجينية في حفظ السلالات والصفات الوراثية ذات القيمة البيئية والتراثية. وقالت الدكتورة عفراء الظاهري، مديرة مشاريع في المركز، إن التجارب تتيح للزوار التعرف عن قرب على تطبيقات التكنولوجيا الحيوية ودورها في المحافظة على السلالات والخصائص الوراثية المميزة.
الاستنساخ يدخل مجال الحفاظ على السلالات
يختلف الاستخدام الحالي للاستنساخ الحيواني عن الصورة التي ارتبطت به تاريخيًا باعتباره محاولة لإنتاج نسخة من حيوان مميز.
ففي برامج الحفظ الوراثي، يمكن أن يصبح الاستنساخ إحدى الأدوات التي تساعد في الاحتفاظ بمادة وراثية قيّمة لحيوان لم يعد قادرًا على التكاثر أو نفَق، شريطة توافر خلايا محفوظة مناسبة.
وتقوم تقنية الاستنساخ التناسلي عادة على أخذ مادة وراثية من خلية جسدية للحيوان المراد استنساخه، ثم نقلها إلى بويضة أزيلت نواتها، قبل تطوير الجنين وزرعه في رحم أنثى حاضنة. ويحمل الناتج المادة الوراثية النووية نفسها للحيوان المتبرع بالخلايا، لكنه لا يمثل نسخة مطابقة له في كل الصفات؛ فالبيئة والتغذية والتنشئة وعوامل بيولوجية أخرى يمكن أن تؤثر في الشكل والسلوك.
وهذه النقطة مهمة عند الحديث عن استنساخ الحيوانات ذات القيمة التراثية. فالهدف ليس “إعادة الحيوان نفسه” بالمعنى الحرفي، وإنما إعادة إنتاج تركيب وراثي محدد والمحافظة على صفات مرغوبة يمكن أن تضيع بغياب الحيوان الأصلي.
الإبل.. التجربة الأكثر ارتباطًا بالموروث الإماراتي
تحتل الإبل موقعًا خاصًا في أبحاث المركز، بسبب ارتباطها المباشر بالتراث والاقتصاد وسباقات الهجن ومهرجانات الجمال في الإمارات.
وكان المركز قد عرض في دورة سابقة من معرض أبوظبي الدولي للصيد والفروسية نماذج من الإبل المستنسخة، من بينها نسل مرتبط بالناقة الشهيرة “مبروكان”، التي نفقت عام 2010. ووفق تقارير سابقة، احتفظ الباحثون بعينات من أنسجتها، واستخدمت لاحقًا في برامج الاستنساخ.
ولا يقتصر العمل على الجانب الاستعراضي. فقد شارك باحثون من مركز الإمارات لأبحاث التكنولوجيا الحيوية في دراسة علمية منشورة حول تطور الأجنة المستنسخة للإبل ومعدلات الحمل.

وفي دراسة أخرى حول الاستنساخ واسع النطاق للإبل، أعلن الباحثون عن 47 حالة حمل نتج عنها 28 ولادة و19 جملًا مستنسخًا، مع متابعة تطورها بصورة طبيعية حتى وقت نشر الدراسة.
من السباقات إلى بنوك الجينات
الأهمية المستقبلية لهذه التقنيات لا تتعلق بالاستنساخ وحده. فالمركز يعمل كذلك في مجال حفظ المادة الوراثية وإنشاء بنوك حيوية يمكن أن تضم عينات من الحمض النووي والخلايا والأجنة والأمشاج، بهدف استخدامها في برامج البحث والحفظ والتربية.
حيث يشير المركز إلى أن برامجه تشمل أيضًا التنميط الجيني والتحقق من النسب في الإبل والخيول، وهي تقنيات يمكن أن تساعد مربي الخيول والإبل في توثيق الأنساب وتعزيز دقة برامج التربية.
كما يعمل المركز على أبحاث في تحرير الجينات باستخدام تقنيات مثل CRISPR.
وهنا تظهر صورة أوسع للتطور العلمي؛ فالاستنساخ ليس بالضرورة نقطة النهاية، بل جزء من منظومة تضم جمع العينات وحفظها، والتحليل الجيني، ونقل الأجنة، والتكاثر المساعد، ثم استخدام البيانات الوراثية في تحسين قرارات التربية.
ماذا يعني ذلك للخيل؟
على الرغم من أن التجارب التي يعرضها المركز في دورة 2026 تركز على الذئاب والماعز والإبل، فإن التكنولوجيا المستخدمة ترتبط مباشرة بعالم الخيل أيضًا.
وتؤكد الأدبيات العلمية أن الخيول من الثدييات التي نجح العلماء في استنساخها من خلايا جسدية، ما يجعل تقنيات نقل النواة والاستنساخ جزءًا من منظومة أوسع في التكاثر الحيواني.
كما يذكر المركز أن برامجه في التنميط الجيني والتحقق من النسب تشمل الخيول، وهو مجال بالغ الأهمية في صناعة الخيل العربية ورياضات الفروسية. حيث تمثل دقة النسب وسلامة السجل الوراثي عناصر أساسية في برامج التربية والانتخاب.
لكن الاستنساخ لا يعني تلقائيًا إنتاج حصان رياضي ناجح. فالقدرات الرياضية تتأثر بتفاعل الجينات مع النمو والتغذية والتدريب والبيئة والرعاية.
لذلك يمكن للاستنساخ أن يحافظ على تركيبة وراثية معينة، لكنه لا يضمن إعادة إنتاج الأداء نفسه الذي حققه الحيوان الأصلي.
الذئاب والماعز.. توسيع نطاق التجربة
يضيف إدخال أنواع نادرة من الذئاب وماعز الألبين إلى التجارب المعروضة بعدًا مختلفًا للمشروع. فهنا تنتقل التكنولوجيا من الحيوانات المرتبطة بالسباقات والإنتاج إلى مفهوم أوسع يتعلق بحماية التنوع الحيوي والمحافظة على مجموعات حيوانية ذات قيمة وراثية.
ويرى المركز أن الاستنساخ يمكن أن يوفر أداة ضمن برامج الإكثار والحفظ عندما تكون هناك صفات وراثية مميزة تستحق الحماية. لكن الخبراء في مجال التنوع الحيوي يشددون عمومًا على أن الاستنساخ لا يمكن أن يحل محل المحافظة على الموائل الطبيعية أو حماية المجموعات البرية؛ لأن إنتاج أفراد متطابقة وراثيًا لا يعالج بمفرده فقدان التنوع الجيني داخل النوع.
وهذا يضع التقنية في مكانها الصحيح: أداة مساعدة في الحفظ، وليست بديلًا عن الحماية البيئية التقليدية.
معرض يربط التراث بالعلم
ويكتسب عرض هذه التجارب داخل معرض أبوظبي الدولي للصيد والفروسية أهمية خاصة، لأن المعرض لم يعد يقتصر على المنتجات والمعدات المرتبطة بالصيد والفروسية، بل أصبح مساحة لعرض العلاقة بين التراث والتكنولوجيا والبحث العلمي.
وكان المركز قد شارك في نسخة 2025 من المعرض بجناح ركز على استنساخ الحيوانات والحفظ الجينومي ونقل الأجنة، ما يشير إلى استمرار هذا المسار العلمي في المعرض وتوسعه.
وتنسجم هذه المشاركة مع توجه إماراتي أوسع نحو استخدام التكنولوجيا لحماية عناصر من الموروث الطبيعي والحيواني. وفي حالة الإبل تحديدًا، تتقاطع علوم التكاثر الحديثة مع صناعة سباقات الهجن ومهرجانات الجمال، حيث يمكن أن تحمل بعض السلالات قيمة وراثية واقتصادية مرتفعة.
حدود علمية وأخلاقية لا يمكن تجاهلها

مع توسع استخدام الاستنساخ، تبقى هناك أسئلة علمية وأخلاقية تتعلق بمعدلات النجاح، وصحة الأمهات الحاضنة، ورعاية الحيوانات، والتنوع الوراثي، وحدود استخدام التقنية تجاريًا.
وتشير الدراسات العلمية إلى أن الاستنساخ الحيواني عملية معقدة، وأن نجاحها يتطلب التعامل مع مراحل متعددة تبدأ من الخلية والبويضة وصولًا إلى الحمل والولادة.
ولذلك فإن تطوير التقنية لا يقاس فقط بعدد الحيوانات المستنسخة، وإنما أيضًا بصحتها على المدى الطويل ورفاه الحيوانات المستخدمة في العملية.
ويقول مركز الإمارات لأبحاث التكنولوجيا الحيوية إن رعاية الحيوان تمثل أولوية، وإن عملياته تخضع للمعايير الأخلاقية والمتطلبات التنظيمية المعمول بها في الإمارات.
علم جديد لحماية موروث قديم
تكشف مشاركة مركز الإمارات لأبحاث التكنولوجيا الحيوية في معرض أبوظبي الدولي للصيد والفروسية عن تحول مهم في طريقة التعامل مع الموروث الحيواني. فبدل أن تبقى حماية السلالات مرتبطة بالتربية التقليدية وحدها، تدخل أدوات مثل الاستنساخ والحفظ الجينومي والتحليل الوراثي إلى المشهد.
وقد لا يكون الاستنساخ حلًا شاملًا لكل تحديات الحفاظ على الحيوانات والسلالات، لكنه يفتح بابًا علميًا جديدًا أمام المربين والباحثين وبرامج صون التنوع الحيوي.
وفي الإمارات، تبدو الإبل نقطة الانطلاق الأوضح لهذا المسار، بينما يفتح العمل في الخيول والأنواع النادرة مجالًا أوسع لتطبيقات التكنولوجيا الحيوية مستقبلًا، في تجربة تجمع بين إرث حيواني يمتد لعقود، وتقنيات علمية تنتمي إلى أكثر مجالات البحث تقدمًا.
المصادر:
صحيفة الاتحاد الإماراتية.
uaebrc.ae
genome.gov
PubMed.
محمد الدهام.. خيال سعودي صنع التاريخ في تحدي الخيالة العالمي
السعودية تعلن خلوها من «الدورين».. مكسب جديد لصحة الخيول وحركة الفروسية الدولية
فلوورينغ بورتر يطوي صفحة المجد ويعتزل السباقات عن 11 عامًا
حصاني الذي أختاره للرحلة… لماذا تبقى علاقة الفارس بحصانه أساس كل تجربة ناجحة؟
من الخيول إلى الدبابات.. كيف أنهى التطور العسكري قرونًا من هيمنة سلاح الفرسان؟





Leave a Reply