تتجه الأبحاث البيطرية الحديثة إلى توظيف الذكاء الاصطناعي وتقنيات تحليل الصور والفيديو لمراقبة صحة الخيول والكشف المبكر عن التغيرات السلوكية التي قد تشير إلى الألم أو المرض. وتبرز أنظمة المراقبة بالكاميرات بوصفها إحدى التقنيات الواعدة في هذا المجال. إذ تتيح متابعة حركة الجواد وسلوكه داخل الإسطبل على مدار الساعة، وتحليل الأنماط غير المعتادة التي قد يصعب على الإنسان ملاحظتها باستمرار.
وفي هذا السياق، يعمل معهد فراونهوفر للرسوميات الحاسوبية «فراونهوفر آي جي دي» في ألمانيا على تطوير نظام يعتمد على الكاميرات والذكاء الاصطناعي لرصد المؤشرات السلوكية والحالات الصحية غير الطبيعية لدى الخيول داخل الحظائر. ويستهدف المشروع اكتشاف علامات الإجهاد والانزعاج وبعض الحالات الحرجة المحتملة. بما فيها المؤشرات المرتبطة بالمغص، من خلال تحليل الفيديو والتغيرات في أنماط الحركة والنشاط.
وتقوم الفكرة على تدريب الخوارزميات على التعرف إلى السلوك المعتاد لكل جواد، ثم رصد الانحرافات عنه. بما يساعد على تنبيه المسؤولين إلى ضرورة التحقق من حالة الحيوان. ومع ذلك، فإن المشروع لا يعني أن جميع هذه الأنظمة أصبحت أدوات تشخيصية معتمدة أو أن قدرتها على اكتشاف المغص قبل تفاقمه ثبتت في جميع ظروف الإسطبلات.

المغص.. حالة تستدعي الانتباه السريع
يُعد المغص من أبرز المشكلات الصحية التي تواجه الخيول، وهو مصطلح يشمل مجموعة من الحالات المرتبطة بألم البطن والجهاز الهضمي، وتتفاوت شدتها وأسبابها. وقد تظهر العلامات في صورة قلق أو حركة متكررة، أو حكّ الأرض بالحوافر، أو الالتفات نحو البطن، أو الاستلقاء والنهوض بصورة متكررة، أو محاولة التدحرج، إلى جانب تغير الشهية والنشاط المعتاد.
وتكمن أهمية الكشف المبكر في أن بعض حالات المغص قد تتطور بسرعة وتحتاج إلى تدخل بيطري عاجل. لذلك، فإن رصد التغيرات السلوكية في مراحلها الأولى قد يمنح مالك الجواد أو القائم على رعايته فرصة للتحرك بصورة أسرع، بدلاً من الاعتماد على الملاحظة المتقطعة وحدها.
وفي دراسة منشورة في المجلة العلمية «إكوين فيتريناري جورنال» عام 2024، اختبر باحثون من جامعة غنت البلجيكية خوارزمية للكشف التلقائي عن المغص باستخدام أجهزة قياس التسارع، مع تحليل سلوك الخيول ومستويات نشاطها. وأظهرت النتائج دقة بلغت 91.2% في اكتشاف المغص ضمن التجربة، لكن الدراسة أُجريت على ثماني أفراس، واستُخدمت فيها حالات مغص مستحثة تجريبياً؛ ولذلك لا يجوز اعتبار هذه النسبة ضماناً للدقة في جميع الإسطبلات والظروف الواقعية.
من التنبيه المبكر إلى دعم القرار البيطري
تتيح أنظمة المراقبة الذكية إمكانات تتجاوز اكتشاف الحركة غير الطبيعية، إذ يمكنها تحليل التغيرات في فترات الأكل والراحة والوقوف والاستلقاء، ومقارنة السلوك الحالي بالنمط المعتاد للجواد. وقد تساعد هذه المعلومات على تحديد الحالات التي تستدعي فحصاً بيطرياً، مع تقليل الاعتماد على المراقبة البشرية المستمرة، خصوصاً في الإسطبلات الكبيرة أو أثناء الليل.
لكن نجاح هذه التقنية يتطلب اختبارها على أعداد أكبر من الخيول، وفي بيئات متنوعة، للتأكد من قدرتها على التمييز بين علامات الألم والسلوك الطبيعي، مثل الحركة الناتجة عن التوتر أو تغيرات الروتين. كما ينبغي تقييم احتمالات الإنذارات الخاطئة، والتأكد من أن الإضاءة وزوايا التصوير والعوائق داخل الحظيرة لا تؤثر بصورة كبيرة في النتائج.

ومن المهم أيضاً التأكيد أن الكاميرات الذكية لا تحل محل الطبيب البيطري؛ فإذا ظهرت علامات مغص محتملة، يجب التواصل مع الطبيب فوراً وعدم انتظار تأكيد النظام أو تأخير الفحص اعتماداً على التنبيه الإلكتروني.
ويمثل دمج الذكاء الاصطناعي في رعاية الخيل خطوة واعدة نحو تطوير أساليب المراقبة والوقاية، شرط أن يستند التطبيق العملي إلى أدلة علمية موثوقة، وأن يُستخدم بوصفه أداة مساعدة لاتخاذ القرار، لا بديلاً عن الخبرة البيطرية والتدخل السريع عند الضرورة.
المصادر :
معهد فراونهوفر للرسوميات الحاسوبية
المجلة العلمية «إكوين فيتريناري جورنال»،المجلة العلمية «أبلايد أنيمال بيهيفيور ساينس»
والمجلة البيطرية «ذا فيتريناري جورنال»
مواضيع ذات صلة:
إرشادات بيطرية لتعزيز الوقاية من فيروس غرب النيل وحماية الخيول
مضمار أوتيل الفرنسي يستضيف سباق سانتو بييترو للحواجز
تونس تحتفي بالفروسية والتراث مع انطلاق مهرجان صوت الجبل
البحرين تستعد لانطلاق موسم اليوبيل الذهبي لسباقات الخيل
مهرجان الشرقية للخيول العربية الأصيلة ينطلق في دورته الثلاثين





Leave a Reply