أظهرت دراسة ميدانية حديثة في دولة الإمارات أن العلاج بالخيول يمكن أن يحدث تحسنًا ملحوظًا في عدد من المؤشرات السلوكية والنفسية لدى الأطفال. وهذا ما يعزز مكانة هذا النهج العلاجي بوصفه أحد الأساليب الداعمة للرعاية الصحية والتأهيل النفسي والحركي. خصوصًا للأطفال الذين يعانون اضطرابات نمائية أو صعوبات سلوكية.
وتأتي نتائج الدراسة في وقت يتزايد فيه الاهتمام العالمي بالعلاجات المساندة غير الدوائية، التي تعتمد على التفاعل مع الحيوانات، وفي مقدمتها الخيول. وذلك لما توفره من بيئة علاجية تجمع بين النشاط البدني والدعم النفسي والتواصل الاجتماعي.
نتائج الدراسة تكشف تحسنًا في ثمانية مؤشرات

بحسب الدراسة التي نشرتها البيان، سجل الأطفال المشاركون تحسنًا في ثمانية مؤشرات سلوكية ونفسية بعد المشاركة في برنامج العلاج بالخيول. وقد شملت زيادة الثقة بالنفس، وتحسن القدرة على التركيز والانتباه، وتعزيز التواصل الاجتماعي، والقدرة على ضبط الانفعالات. وذلك إضافة إلى انخفاض مستويات القلق والتوتر، وتحسن التوازن الحركي، وتنمية الاستقلالية، وارتفاع مستوى التفاعل الإيجابي مع المحيط.
وكذلك تشير هذه النتائج إلى أن الفوائد لا تقتصر على الجانب البدني، بل تمتد إلى الصحة النفسية والعاطفية، وهو ما يفسر اتساع استخدام العلاج بالخيول في برامج إعادة التأهيل حول العالم.
ما هو العلاج بالخيول؟
العلاج بالخيول، أو العلاج بمساعدة الخيل (Equine-Assisted Therapy)، هو مجموعة من البرامج العلاجية والتأهيلية التي تستثمر الحركة الطبيعية للحصان والتفاعل المباشر معه لتحقيق أهداف طبية أو نفسية أو تعليمية.
ويضم هذا المجال أكثر من تخصص، أبرزها:
- العلاج الحركي بالخيول (Hippotherapy): يعتمد على حركة الحصان لتحسين التوازن، والتحكم العضلي، والتناسق الحركي تحت إشراف فريق طبي متخصص.
- العلاج النفسي بمساعدة الخيل: يركز على بناء الثقة بالنفس، وتحسين التواصل، وتنظيم المشاعر، وتعزيز المهارات الاجتماعية.
- ركوب الخيل العلاجي: يهدف إلى تطوير القدرات الجسدية والذهنية من خلال تعليم مهارات الفروسية بما يتناسب مع الحالة الصحية للمشارك.
ويؤكد المختصون أن هذه البرامج تختلف عن ركوب الخيل الترفيهي، إذ تُنفذ وفق خطط علاجية يضعها أطباء واختصاصيو علاج طبيعي ونفسي ومدربون مؤهلون.
لماذا تؤثر الخيول في الأطفال؟

يرى خبراء العلاج بمساعدة الحيوانات أن الحصان يمتلك خصائص تجعله شريكًا علاجيًا مميزًا. فهو حيوان شديد الحساسية يستجيب للغة الجسد ونبرة الصوت والانفعالات، ما يساعد الطفل على إدراك تأثير سلوكه بصورة مباشرة.
كما تمنح العلاقة مع الحصان الطفل شعورًا بالمسؤولية والإنجاز عند العناية به أو قيادته، وهو ما ينعكس على ثقته بنفسه وقدرته على اتخاذ القرار.
إلى جانب ذلك، تحاكي حركة الحصان أثناء المشي نمط حركة الحوض البشري، الأمر الذي يسهم في تحسين التوازن والقوة العضلية والتوافق الحركي لدى الأطفال الذين يعانون اضطرابات عصبية أو حركية.
تطبيقات واسعة في التأهيل
تستخدم مراكز العلاج بالخيول في العديد من الدول هذا الأسلوب مع الأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد، والشلل الدماغي، ومتلازمة داون، واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه. إضافة إلى الأطفال الذين تعرضوا لصدمات نفسية أو يعانون صعوبات في التعلم والتواصل.
وكذلك تشير مراجعات علمية نُشرت خلال السنوات الأخيرة إلى وجود أدلة متزايدة على أن العلاج بالخيول قد يسهم في تحسين بعض المهارات الاجتماعية والانفعالية والحركية. إلا أن الباحثين يؤكدون في الوقت نفسه الحاجة إلى مزيد من الدراسات واسعة النطاق لتحديد حجم التأثير بدقة واختلافه بين الحالات.
أهمية متزايدة في القطاع الصحي الإماراتي

تعكس نتائج الدراسة اهتمام المؤسسات الصحية والبحثية في دولة الإمارات بتطوير أساليب علاجية حديثة تجمع بين الأدلة العلمية وجودة الحياة. خاصة مع تزايد التركيز على الصحة النفسية للأطفال والتدخل المبكر.
ويمثل العلاج بالخيول نموذجًا للتكامل بين القطاعين الصحي والرياضي. حيث تتحول مرافق الفروسية إلى بيئات علاجية تسهم في تحسين جودة حياة الأطفال وأسرهم، مع الالتزام بمعايير السلامة ورفاهية الخيل.
كما ينسجم هذا التوجه مع الاهتمام المتنامي برياضات الفروسية في الدولة، والاستثمار في البنية التحتية والمراكز المتخصصة التي يمكن أن تقدم خدمات علاجية وتأهيلية إلى جانب الأنشطة الرياضية.
نجاح العلاج يعتمد على فريق متكامل
يشدد الأطباء على أن نجاح العلاج بالخيول لا يعتمد على وجود الحصان وحده، بل على عمل فريق متعدد التخصصات يضم الطبيب المعالج، واختصاصي العلاج الطبيعي أو الوظيفي أو النفسي، ومدرب الخيل. إضافة إلى المتابعة المستمرة لقياس تطور الطفل وتعديل البرنامج العلاجي عند الحاجة.
كما يوصى بإجراء تقييم طبي شامل قبل بدء العلاج للتأكد من ملاءمته للحالة الصحية، إذ توجد بعض الحالات التي قد تتطلب احتياطات خاصة أو تمنع استخدام هذا النوع من العلاج.
أكثر من نشاط رياضي
تكشف الدراسة الإماراتية أن الخيل يمكن أن تؤدي دورًا يتجاوز الرياضة والترفيه، لتصبح عنصرًا داعمًا في منظومة الرعاية الصحية والتأهيل النفسي للأطفال.
ورغم أن العلاج بالخيول لا يعد بديلًا عن البرامج الطبية أو النفسية التقليدية، فإنه يمثل وسيلة مساندة قد تسهم في تحسين النتائج العلاجية عندما يُدمج ضمن خطة علاجية متكاملة يشرف عليها مختصون.
ويعكس هذا التوجه تحولًا عالميًا نحو تبني أساليب علاجية أكثر شمولًا، تراعي الجوانب الجسدية والنفسية والاجتماعية للطفل، وتستند إلى الأدلة العلمية مع الحفاظ على أعلى معايير السلامة والرفق بالحيوان.
المصادر:
صحيفة البيان الإماراتية.
American.
الفروسية العلاجية.. كيف تساعد الخيول في دمج الأطفال من ذوي الهمم؟
حين يتحول شعر الخيل إلى جزء من الصناعة وتراث مهدد بالاندثار
«حياتي في 12 حصانًا» كيف روى نيكي هندرسون قصة عمره عبر الخيول التي صنعت مجده؟





Leave a Reply