يبدو أننا على أعتاب بداية عصرٍ جديد عالي التقنية يشهده عالم رعاية الخيول، حيث أصبحت أجهزة الاستشعار البيومترية والتقنيات الحديثة تعيد تشكيل طريقة مراقبة صحة الخيول وأدائها في مختلف التخصصات، بدءاً من سباقات الخيل ووصولاً إلى عالم الفروسية الترفيهية. لطالما عرف أفضل الفرسان متى يكون الحصان استثنائياً، فهم يشعرون بذلك من خلال أيديهم وأقدامهم وتوازن أجسادهم أثناء الركوب. هذا الإحساس الغريزي ظل هدفاً للباحثين والأطباء البيطريين لعقود، في محاولة لترجمته إلى بيانات قابلة للقياس. واليوم، بدأت التكنولوجيا تحقق هذا الهدف، ليس فقط في خيول السباقات، بل أيضاً في خيول الرياضة والهواية.
ما الذي يميز خيول السباق النخبوية؟
يقول الدكتور ديفيد لامبرت، الطبيب البيطري والمدير التنفيذي لشركة StrideSAFE في كنتاكي، إنه أمضى أكثر من أربعين عاماً في محاولة فهم ما يميز خيول السباق النخبوية. وفي عام 2005 بدأ باستخدام مستشعرات التسارع على خيول السباق لتحويل ذلك “الإحساس غير القابل للوصف” أثناء العدو إلى أرقام وبيانات. ونجحت التجربة في تحديد خيول ذات أداء استثنائي، لكنها كشفت أيضاً مؤشرات أخرى غير متوقعة.
وفي عام 2019، وبعد سلسلة من إصابات خيول السباق التي حظيت باهتمام إعلامي واسع، تعاون لامبرت مع شركة أسترالية لتطوير نظام StrideSAFE، وهو نظام يهدف إلى رصد الخيول المعرضة لخطر الإصابات الكارثية قبل وقوعها. وجاء هذا النظام نتيجة تلاقح بين الطب البيطري والتكنولوجيا الحديثة، بهدف اكتشاف الخلل في وقت مبكر.
الأجهزة القابلة للارتداء للخيول:

تعكس هذه الجهود توجهاً أوسع في عالم الفروسية. فالأجهزة القابلة للارتداء، التي كانت في السابق أدوات بحثية محدودة، أصبحت اليوم من أبرز الابتكارات في رعاية صحة الخيول. وتستخدم هذه الأجهزة حالياً في مرابط الخيول الرياضية، والمراكز البحثية، وحتى لدى المربين الأفراد. حيث تستطيع هذه المستشعرات تتبع معدل ضربات القلب، وطول الخطوة، وتناسق الحركة، وغيرها من المؤشرات الحيوية. ويعمل باحثون وشركات حول العالم على إثبات قدرة هذه التقنيات على تحسين الأداء، ومراقبة الصحة، والأهم من ذلك، المساعدة في الوقاية من الإصابات. وتقود الجمعية الأمريكية لممارسي طب الخيول AAEP دراسة تمتد لعام كامل، بهدف الإجابة عن سؤال محوري: هل تستطيع هذه المستشعرات التنبؤ بإصابات خيول السباق؟
تشارك في الدراسة ست شركات، من بينها StrideSAFE وArioneo وGarmin، حيث يرتدي 200 مهر من خيول الثوروبريد بعمر سنتين أجهزة استشعار أثناء التدريبات اليومية.
أين توضع هذه المستشعرات؟
يختلف موقع وضع المستشعرات حسب الهدف منها. فبعضها يثبت على منطقة الصدر أو الحزام، وبعضها يوضع تحت السرج أو على الذيل. وأوضح فريق Garmin أن الجانب السفلي من الذيل يتميز بكونه خالياً من الشعر، ما يسهل تثبيت المستشعر دون تحضير جلدي خاص. وفي عام 2025، نشرت مؤسسة Kentucky Equine Research دراسة استخدمت فيها مجموعة لجم خيول مزودة بمستشعرات لمراقبة عدد المضغات ومدة المضغ عند تغذية الخيول بأنواع مختلفة من الأعلاف.
ويقول الدكتور جو باغان، مؤسس KER، إن عدد هذه الأجهزة شهد “انفجاراً حقيقياً”، مشيراً إلى أن بعضها يتمتع بجودة عالية وقدرة دقيقة على قياس نشاط الخيل. لكنه يؤكد أن التحدي الحقيقي يكمن في تفسير هذه الأرقام بشكل صحيح.
ما علاقة الذكاء الاصطناعي بهذا الأمر؟
يساعد الذكاء الاصطناعي على تحليل الكم الهائل من البيانات الناتجة عن المستشعرات. وتستخدم تطبيقات مثل Sleip تقنيات التعلم العميق لتحليل حركة الخيل من خلال مقاطع الفيديو. حيث يعتمد هذا التطبيق على تحديد معالم تشريحية دقيقة للحصان وتحليل نمط الحركة لاكتشاف وجود عدم تماثل قد يدل على عرج. وتؤكد الدكتورة إلين هيرلوند، إحدى مؤسسي Sleip، أن التطبيق يستند إلى عقود من أبحاث الميكانيكا الحيوية، ولا يعتمد على مجرد تخمينات. كما تشير الأبحاث الحديثة إلى استخدام الذكاء الاصطناعي في برامج التربية، وتشخيص أمراض العيون، وتحليل السلوكيات لدى الخيول.
الخوارزميات تتحسن مع زيادة البيانات:
كلما زادت البيانات، أصبحت الخوارزميات أكثر دقة. ويقول لامبرت إن أنظمة StrideSAFE تعتمد حالياً على عشرات الآلاف من الحالات، وهذا ما مكنها من ربط أنماط معينة من الإشارات بإصابات خطيرة مثل كسور اللقمة والسمسمية. وتؤكد هيرلوند أن تطبيق Sleip قد شهد تطوراً مشابهاً مع تراكم البيانات بالإضافة إلى تحسن في دقة تحديد المعالم التشريحية.
التحدي الأكبر في هذه التجربة:
يشدد الخبراء على أن الذكاء الاصطناعي لا يتفوق إلا بقدر جودة البيانات التي يتغذى عليها. فغياب “المعيار الذهبي” في كثير من مجالات الطب البيطري يجعل تدريب الأنظمة الذكية أمراً معقداً. حيث توضح هيرلوند أن تصنيف الأمراض باستخدام الذكاء الاصطناعي يواجه صعوبات كبيرة بسبب عدم وجود تعريفات قاطعة لبعض الحالات المرضية في الطب البيطري.
ما هو دور الحوسبة السحابية؟
أتاحت الحوسبة السحابية تحليل كميات هائلة من البيانات في وقت قصير. وتستخدم KER برنامج Gro-Trac منذ عقود لتتبع نمو أكثر من 50 ألف مهر حول العالم، وهذا ما سمح بإجراء تحليلات جديدة تتعلق بالمناخ والمراعي والنمو. لكن الاعتماد على السحابة يتطلب اتصالاً جيداً بالإنترنت، وهو ما يمثل تحدياً في المناطق الريفية. وتسعى بعض الشركات إلى نقل جزء من التحليل مباشرة إلى الأجهزة الذكية لتقليل هذا الاعتماد. يرى لامبرت أن هذه التقنيات قد تساعد المدربين على اتخاذ قرارات أفضل بشأن توقيت إراحة الحصان أو اعتزاله السباقات، بما يضمن له حياة ثانية صحية. ويضيف أن التكنولوجيا الحديثة قد تعيدنا بشكل ساخر إلى مبادئ الفروسية القديمة، حيث كان الإصغاء للحصان وفهم إشاراته هو أساس الرعاية الجيدة.
المصادر:
thehorse.com
Journal of Equine Veterinary Science
أزمة رفاهية الخيول هل يمكن أن تؤدي إلى سحب الفروسية من الألعاب الأولمبية؟
أفضل التطبيقات لمحبي الخيول.. كيف تستخدم التكنولوجيا في عالم الفروسية؟
في فرنسا فعاليات مجانية وبرنامج فروسية بوجه عائلي
كتب يجب أن يمتلكها كل محب للخيل
الجزيرة السورية موطن الخيول العربية النادرة
إطلاق سلسلة جديدة من جولات ركوب الخيل حول العالم
أحدث الأخبار العالمية في عالم سباقات الخيل والفروسية





Leave a Reply