حصان العجائب الأسترالي فار لاب (Phar Lap) ولد في الرابع من أكتوبر عام 1926 في مزرعة سيداون (Seadown) قرب مدينة تايمارو (Timaru) في جنوب نيوزيلندا. فما هي علاقته بكأس ملبورن وكيف حاز هذا اللقب؟
بداية متواضعة:
كان فار لاب من سلالة لا تحظى بشهرة كبيرة، ولم تكن بداياته توحي بأنه سيصبح أحد أعظم الخيول في التاريخ. حيث تم بيعه في مزاد في عام 1928 مقابل مبلغ زهيد من المال. اقتناه وقتها المدرب الأسترالي هاري تيلفورد (Harry Telford) بدعم من رجل الأعمال الأمريكي المقيم في سيدني ديفيد ج. ديفيس (David J. Davis). وفي أولى سباقاته، أنهى فار لاب السباق في المراتب الأخيرة، لكن بعد ذلك بدأت موهبته تبرز تدريجياً فمن خلال التدريب والانضباط تحولت هذه البدايات الضعيفة إلى قصة مثابرة أصبحت جزءاً لا يتجزأ من الذاكرة الرياضية الأسترالية.
بداية الطريق إلى المجد:
في عام 1930، وبعد سلسلة انتصارات مذهلة، أصبح فار لاب الاسم الأكثر تكراراً في عالم سباقات الخيل الأسترالية. حيث تميز بقدرته الفائقة على التحمل، وسرعته المتزنة في المسافات الطويلة، حتى أُطلق عليه لقب “الأحمر الكبير” (Big Red) و”الإرهاب الأحمر” (The Red Terror). فقد تميز فار لاب بلونه الكستنائي المائل إلى الأحمر، وببنية قوية جعلته أكبر من معظم خيول السباق في زمانه. إذ كان يبلغ طوله حوالي 17 يداً (1.7 متر عند الكتف) ويزن نحو 600 كجم، ما منحه حضوراً مهيباً فوق المضمار. وبحلول نهاية عام 1930، فاز فار لاب بمعظم السباقات التي خاضها، مثبتاً بذلك مكانته كأيقونة وطنية في أستراليا.
كأس ملبورن ذروة الإنجاز:

يعد كأس ملبورن (Melbourne Cup) أبرز سباق خيل في أستراليا، وهو يقام عادة في أول ثلاثاء من شهر نوفمبر على مضمار فليمنغتون (Flemington Racecourse) في ملبورن.
في عام 1930، فاز فار لاب بهذا السباق بقيادة الفارس جيم بايك (Jim Pike) بعد تقديمه أداء استثنائي تفوّق فيه بثلاثة أطوال تقريباً على أقرب منافسيه.
استغرق السباق حوالي ثلاث دقائق و27 ثانية لمسافة الميلين (3200 متر)، في واحد من أكثر الانتصارات التاريخية شهرة.
وكانت تلك الفترة تتزامن مع ذروة الكساد الاقتصادي الكبير (Great Depression)، هذا ما جعل فوزه حدثاً يتجاوز الرياضة، إذ رآه الأستراليون رمزاً للأمل في وقت صعب.
فقد عدّ فوزه عام 1930 لحظة فارقة في تاريخ كأس ملبورن، وأصبح يذكر كل عام مع اقتراب موعد السباق الوطني.
قلب بضعف وزن قلب خيل السباق العادي:
لم يكن تميز فار لاب في قوته الجسدية فقط، بل في قدرته النفسية أيضاً على تجاوز التحديات. حيث أنه خلال ثلاث سنوات، فاز في 37 سباقاً من أصل 51 مشاركة، متصدراً بذلك عناوين الصحف بعد أن أصبح محور اهتمام الجمهور.
كان قلبه استثنائياً في حجمه، إذ بلغ وزنه نحو 6.2 كجم أي ضعف وزن قلب خيل السباق العادي تقريباً. فبعد وفاته الغامضة في الولايات المتحدة في عام 1932، أُجري له تشريح كشف عن هذه الحقيقة التي عززت من صورته كأسطورة.
تعرض بقاياه اليوم في عدة مواقع:
اليوم تعرض بقايا هذا الحصان الرمز في عدة أماكن في أستراليا أهمها:
- جسده المحنط محفوظ في متحف ملبورن (Melbourne Museum).
- هيكله العظمي في متحف نيوزيلندا تي بابا تونغاريوا (Museum of New Zealand Te Papa Tongarewa).
- قلبه محفوظ في المتحف الوطني الأسترالي (National Museum of Australia) في كانبيرا.
هذه المواقع الثلاثة أصبحت وجهات لآلاف الزوار سنوياً، وهذا ما يؤكد استمرار إرثه الثقافي حتى اليوم.
تأثير الحصان في المجتمع الأسترالي:
أصبح فار لاب (Phar Lap) رمزاً وطنياً في فترة كانت البلاد بحاجة فيها إلى بطل. ففي سنوات الأزمة الاقتصادية، مثّل هذا الحصان الأمل والمثابرة والانتصار رغم الصعوبات. إذ كان كل سباق يخوضه يلهم الجماهير ويجمع الناس حول حلمٍ بسيط: وهو الفوز رغم الظروف. فقد رفعت تماثيله في ميادين عدة، منها تمثاله الشهير في مضمار فليمنغتون (Flemington Racecourse) الذي يستقبل عشاق الفروسية من كل أنحاء العالم. ويذكر اسمه كل عام قبل انطلاق كأس ملبورن، ليعيد للأذهان معاني الشجاعة والولاء التي ارتبطت بتاريخ الفروسية الأسترالية.
لماذا بقي اسمه حاضراً حتى اليوم؟
ترتبط مكانة فار لاب (Phar Lap) بعدة عوامل أهمها:
- فوزه في كأس ملبورن عام 1930 جعل منه رمزاً دائماً للسباق الأشهر في أستراليا.
- تزامن ظهوره مع فترة الكساد الكبير و ربط اسمه بقوة التحمل والإصرار في مواجهة الأزمات.
- إنجازاته التي جعلته أحد أسباب ازدهار سباقات الخيل الأسترالية لاحقا، حيث شجع المستثمرين والمنظمين على تطوير المضامير.
الجدير بالذكر أن صورته ما زالت تستخدم في الأعمال الفنية والأفلام الوثائقية والإعلانات، بغرض تجسيد روح التحدي الأسترالية. إذ تكمن فرادته في أنه تجاوز كونه مجرد بطل سباقات، ليصبح أسطورة ترمز إلى النهوض من الصعاب والإيمان بالقدرة على التغيير.
حصان العجائب وإرث يتجاوز الزمن:
يستمر إرث فار لاب (Phar Lap) في الثقافة الشعبية الأسترالية، ويدرس تاريخه في المدارس كجزء من الهوية الوطنية. كما يعتبره كثيرون بمثابة “روح أستراليا على أربعة حوافر”، إذ أنه جمع في صفاته بين القوة والوفاء والشغف بالمنافسة. ففي كل عام، ومع انطلاق كأس ملبورن، يتجدد الحديث عنه وكأنه ما زال يركض على مضمار فليمنغتون.
لقد غير هذا الحصان، القادم من نيوزيلندا، نظرة العالم إلى الخيول الأسترالية وإلى معنى البطولة بحد ذاته.
إن قصة فار لاب (Phar Lap) ليست مجرد فصل من تاريخ سباقات الخيل، بل حكاية عن الإيمان بالصبر والعمل والإصرار.
فلقد مثل مرحلة من النهوض الوطني، وترك بصمة لا يمكن نسيانها في ذاكرة الفروسية العالمية. ولذا مهما تعاقبت الأجيال، سيبقى اسمه مرادفاً للبطولة الحقيقية التي تولد من قلب المعاناة لتصنع المجد.
المصادر:
وكالة الأخبار الأسترالية SBS Arabic24
موقع كأس ملبورن الرسمي (Victoria Racing Club)
سحر هايد بارك على ظهر حصان: رحلة عبر أربعة قرون من التاريخ
أهم 9 اعتبارات صحية للحفاظ على صحة الحصان وسعادته
في الحرب الأوكرانية الروسية هل تنجح الخيول في مواجهة المسيرات؟
الخيول.. من المشاركة في الحروب إلى المشاركة في العلاج النفسي
بدر التميمي.. الفارس السعودي الذي اعتلى قمة العالم في الرماية من على ظهر الخيل
دليلك إلى المزادات العالمية لشراء الخيول والوجهات المفضلة عند العرب





Leave a Reply