تستعد مدينة بوحجلة التابعة لولاية القيروان لاحتضان دورةٍ جديدة من المهرجان المغاربي للفروسية، في تظاهرةٍ تُعد من أبرز الفعاليات التراثية المرتبطة بالخيل في تونس. وذلك بعدما كشفت الهيئة المنظمة عن برنامج متنوع يجمع بين عروض الفروسية التقليدية والمسابقات الثقافية والفنية. يأتي هذا في خطوة تهدف إلى تعزيز مكانة المهرجان بوصفه حدثًا يجمع بين الحفاظ على الموروث الشعبي وتنشيط الحركة الثقافية والسياحية في المنطقة.
كما يأتي الإعلان عن البرنامج الجديد في وقت تشهد فيه الفعاليات التراثية في تونس اهتمامًا متزايدًا بإعادة إحياء الموروث المرتبط بالفروسية. بوصفه جزءًا من الهوية الثقافية للمجتمعات المغاربية، إضافة إلى دوره في دعم الاقتصاد المحلي وجذب الزوار من مختلف الولايات.
برنامج متنوع يجمع بين المنافسة والتراث
يتضمن برنامج الدورة الجديدة عروضًا للفروسية التقليدية التي تشتهر بها تونس ودول المغرب العربي. إلى جانب استعراضات جماعية للفرسان، ومسابقات مخصصة للخيل، فضلاً عن أنشطة ثقافية وفنية موازية تستهدف مختلف الفئات العمرية.
وقد حرصت الهيئة المنظمة على أن يجمع البرنامج بين الطابع الاحتفالي والبعد الثقافي، من خلال تقديم عروض تعكس تاريخ الفروسية في المنطقة، مع إفساح المجال أمام مشاركة الفرسان الشباب والجمعيات المهتمة بالحفاظ على التراث اللامادي.
كما يشمل المهرجان فعاليات موسيقية وشعبية ومعارض للصناعات التقليدية والحرف المرتبطة بالفروسية، بما يعزز تجربة الزائر ويحول الحدث إلى مهرجان ثقافي متكامل، وليس مجرد منافسات رياضية.
الفروسية التقليدية… إرثٌ مغاربي مشترك
تُعد الفروسية التقليدية أحد أبرز عناصر التراث في بلدان المغرب العربي. حيث ارتبطت عبر التاريخ بالقبائل وبالحياة العسكرية والاجتماعية، قبل أن تتحول إلى ممارسة احتفالية تُجسد مهارات الفرسان وتبرز العلاقة التاريخية بين الإنسان والخيل.
وتتميز العروض التقليدية، المعروفة في عدد من البلدان باسم “الفانتازيا” أو “التبوريدة“، بالانطلاق الجماعي للخيول والتنسيق الدقيق بين الفرسان. وهي عروض تتطلب تدريبًا طويلًا وانضباطًا عاليًا، ما يجعلها عنصر جذب رئيسًا في المهرجانات التراثية.
وتحظى هذه الفعاليات باهتمام متزايد من المؤسسات الثقافية، التي تعمل على صونها باعتبارها جزءًا من التراث غير المادي، إلى جانب دورها في تعريف الأجيال الجديدة بتاريخ الفروسية في المنطقة.
بوحجلة… مدينة ارتبط اسمها بالخيل

اكتسبت بوحجلة مكانة مميزة على خريطة الفروسية التونسية بفضل تنظيمها المستمر لهذا المهرجان، الذي تحول مع مرور السنوات إلى موعد سنوي ينتظره مربو الخيل والفرسان والجمهور.
ويمنح المهرجان المدينة حضورًا ثقافيًا وسياحيًا لافتًا، إذ تستقبل خلال أيامه زوارًا من مختلف أنحاء تونس. إضافة إلى مشاركين من بلدان مغاربية، وهو ما يسهم في تنشيط الحركة الاقتصادية، ولا سيما في قطاعات الإيواء والمطاعم والتجارة المحلية.
حيث أن استمرارية المهرجان تؤكد نجاحه في ترسيخ مكانته ضمن أبرز التظاهرات التراثية المرتبطة بالفروسية في البلاد.
أثر اقتصادي يتجاوز أيام المهرجان
لا تقتصر أهمية المهرجان على الجانب الثقافي، بل تمتد إلى البعد الاقتصادي. إذ يوفر منصة للمربين والفرسان للتعريف بخيولهم، ويشجع على تبادل الخبرات في مجالات التربية والتدريب والرعاية البيطرية.
كما تستفيد المؤسسات الصغيرة والحرفيون من ارتفاع الإقبال على المنتجات التقليدية ومستلزمات الفروسية، بينما تسهم الفعاليات في تنشيط السياحة الداخلية، وهو ما يعزز دور المهرجانات التراثية في دعم الاقتصاد المحلي.
ويؤكد مختصون أن الاستثمار في هذه المناسبات يمكن أن يشكل رافدًا مهمًا لتنمية المناطق الداخلية، إذا ما اقترن بتطوير البنية التحتية والترويج السياحي المستدام.
الحفاظ على التراث وتطوير الفروسية
يمثل المهرجان أيضًا فرصة لتشجيع الأجيال الشابة على ممارسة الفروسية والتعرف إلى تاريخها، في وقت تواجه فيه العديد من الرياضات التراثية تحديات تتعلق بارتفاع تكاليف تربية الخيل وتراجع الاهتمام لدى بعض الفئات.
ويرى مهتمون بالقطاع أن تنظيم فعاليات منتظمة يسهم في دعم استمرارية هذا الإرث، ويعزز التعاون بين الجمعيات والنوادي والجهات الرسمية للحفاظ على السلالات المحلية وتطوير برامج التدريب.
وفي الوقت نفسه، يبرز المهرجان أهمية الموازنة بين صون التقاليد والانفتاح على أساليب التنظيم الحديثة، بما يضمن استقطاب جمهور أوسع وتعزيز مكانة الفروسية ضمن المشهد الثقافي والرياضي في تونس.
حدثٌ يعكس هوية الفروسية المغاربية
يعكس المهرجان المغاربي للفروسية في بوحجلة مكانة الخيل في الذاكرة الجماعية لشعوب المغرب العربي. حيث تتداخل الرياضة بالتراث والثقافة في مشهدٍ يحافظ على تقاليد عريقة ويمنحها حضورًا معاصرًا.
ومع استمرار تنظيم هذه التظاهرة عامًا بعد عام، تزداد أهمية الاستثمار في مثل هذه الفعاليات بوصفها وسيلة لحماية التراث، ودعم الاقتصاد المحلي، وتعزيز حضور الفروسية باعتبارها أحد أبرز مكونات الهوية الثقافية في المنطقة.
المصادر:
ديوان أف أم.
وكالة تونس أفريقيا للأنباء (TAP).
وزارة الشؤون الثقافية التونسية.
تربية الخيل في تونس.. إرثٌ عريق يواجه ضغوط التكلفة ويبحث عن مسارات استدامة
من الخيول إلى الدبابات.. كيف أنهى التطور العسكري قرونًا من هيمنة سلاح الفرسان؟





Leave a Reply