هل من الممكن أن تتحول السياط إلى مجرد إكسسوارات وموضة ؟ وما هي الرسالة التي ترسلها عن علاقتنا بالخيول؟
في أحد مؤتمرات رابطة تجارة الفروسية البريطانية (BETA) الذي عقد أواخر أكتوبر 2025، طرح سؤال أثار جدلاً واسعا بين المختصين في رعاية الخيول:
هل يعكس التعامل مع السوط كقطعة أزياء، لا كأداة تدريب، فهماً حقيقياً لرفاهية الخيول؟
هذا السؤال شكل محور نقاش أخلاقي عميق جمع بين علماء السلوك البيطري وصناع المعدات والمدربين، ليعيد النظر في الطريقة التي يتعامل بها الإنسان مع القوة والسيطرة في علاقته مع الخيل.
السوط بين السيطرة والزينة:
تحدث رولي أويرز (Roly Owers)، الرئيس التنفيذي لمؤسسة World Horse Welfare، عن التحدي الأخلاقي الكامن وراء أدوات الركوب، مشيراً إلى أن السوط لم يخلق للزينة، بل لتوجيه الحصان بطريقة تراعي علم السلوك والتعلم.
وقال: “نحن نتحكم في كل ما يفعله الحصان، ومع ذلك فهو أقوى منا جسدياً. السرج واللجام والسوط أدوات تترجم هذا التوازن الدقيق بين السيطرة والتفاهم، لا بين القهر والزخرفة”.
وأضاف أن استخدام السوط كعنصر للموضة يُرسل رسالة خاطئة إلى الجمهور ويقوض الجهود التي تبذلها مؤسسات الرفق بالحيوان في بناء صورة إنسانية عن الفروسية الحديثة.
مسؤولية مشتركة بين الفارس والتاجر:
أكد أويرز أن المسؤولية لا تقع على الفارس وحده، بل تشمل المصنعين والمدربين والمنظمين التجاريين الذين يحددون ما يباع ويستخدم في الميدان. وأوضح: “إذا لم تطرح المعدات غير الأخلاقية في الأسواق، فلن تستخدم. يجب أن تكون تجارة الفروسية واعية لتأثير منتجاتها على رفاه الخيول”.
وأشار إلى أن بعض الشركات، مثل Fairfax Saddles البريطانية، تقدم نموذجاً يحتذى به في تصميم معدات الركوب استنادا إلى الأبحاث العلمية، حيث تطور سروجاً تقلل الضغط على عضلات الحصان وتزيد راحته أثناء الأداء.
اعتماد منظور الحصان أولاً عند تطوير المعدات:
دعا أويرز إلى اعتماد “منظور الحصان” عند تطوير المعدات، موضحا أن كل أداة يجب أن تقيم وفقاً لتأثيرها على الجسد والسلوك.
وتساءل قائلاً: “أين يتعرض الحصان للضغط؟ وهل يمكن تخفيفه؟ إذا كان تصميم أداة ما يسبب ألماً أو ارتباكاً، فلماذا نستمر في إنتاجها؟”.
وأضاف أن فهم تعبيرات الخيول وسلوكها يُساعد على تحسين رفاهها النفسي والجسدي، وهو أمر تؤكده الدراسات الحديثة المنشورة في مجلات بيطرية متخصصة مثل Equine Veterinary Journal وApplied Animal Behaviour Science.

رؤية أكاديمية لأخلاقيات ركوب الخيل:
من جانبها، قدمت الدكتورة مادلين كامبل (Madeleine Campbell)، أستاذة أخلاقيات الطب البيطري في جامعة نوتنغهام، مداخلة مؤثرة حول مفهوم “الركوب الأخلاقي”.
وأشارت إلى أن العلاقة بين الإنسان والحصان يجب أن تبنى على ثلاثة مبادئ: تقليل المعاناة، وتعظيم التجارب الإيجابية، والالتزام بالقوانين والمعايير البيطرية.
وأضافت: “إذا ركز كل فارس على ما يحتاجه حصانه حقا، وليس على ما يريده هو من أدائه، فإننا نقترب من نموذج الفروسية الأخلاقية التي تحترم الكائن الحي”.
مسؤولية الحماية المشتركة:
شبهت كامبل مسؤولية المجتمع الفروسي تجاه الخيول بمسؤولية المجتمع تجاه الأطفال في مفهوم “الحماية المشتركة”.
قالت: “كل شخص يشارك في حياة الحصان يتحمل مسؤولية أخلاقية؛ الفارس، المدرب، الطبيب البيطري، وحتى الحداد. جميعهم مسؤولون عن ضمان راحة الحصان ورفاهيته”.
وأكدت أن التواصل بين جميع هذه الأطراف ضروري لتشكيل منظومة متكاملة من الرعاية، تضع رفاه الحصان فوق أي اعتبارات رياضية أو تجارية.
المؤشرات السلوكية الإيجابية المساعدة:
سلطت كامبل الضوء على أبحاث حديثة حول “المؤشرات السلوكية الإيجابية” التي تساعد على تحديد ما إذا كان الحصان يعيش تجربة جيدة أم يعاني من ضغوط.
وقالت إن هذه الدراسات تتيح إمكانية تقييم الحالة النفسية للحصان بشكل علمي، لتصبح الرفاهية مفهوماً يمكن قياسه ومتابعته وليس شعاراً عاماً.
وأضافت: “حتى التغييرات الصغيرة في طريقة التدريب أو المعدات قد تحدث فرقاً كبيراً في جودة حياة الخيول”.
بين الأخلاق والأداء:
يجمع الخبراء على أن تطوير الرياضات الفروسية يجب أن يسير بالتوازي مع تطور القيم الأخلاقية، لأن قبول الجمهور لهذه الرياضة يعتمد على صورتها الإنسانية.
وقد أظهرت تقارير British Equestrian Federation أن الوعي العام تجاه رفاه الخيول بات عنصراً مؤثراً في مستقبل رياضات الفروسية، خصوصاً في ظل الانتقادات التي واجهتها مسابقات القفز والترويض خلال السنوات الأخيرة.
تقول كامبل: “من الأخلاقي أن نستخدم الخيول في الرياضة إذا استطعنا ضمان حياة جيدة لها، وليس مجرد أداء جيد في الميدان”.
ما هو التوازن المطلوب وكيف نحققه؟
يشير المتحدثون إلى أن الطريق نحو “فروسية أخلاقية” لا يمر بإلغاء الأدوات، بل بفهم كيفية استخدامها. إذ أن السوط ليس عدواً، بل أداة تواصل عندما يستخدم وفق مبادئ علمية قائمة على التعلم الإيجابي. لكن تحويله إلى رمز أناقة أو زينة يفقده معناه ويشوه العلاقة بين الإنسان والحصان.
وفي زمن أصبحت فيه الصور تنتشر أسرع من الأفعال، فإن ظهور فارس يحمل سوطاً كإكسسوار موضة يمكن أن يقوض سنوات من العمل في مجال الدفاع عن رفاهية الخيول.
ثقافة التصميم الأخلاقي للمعدات وتعزيز الشفافية:
تسعى المؤسسات البريطانية المعنية، مثل World Horse Welfare وBritish Equestrian Trade Association، إلى نشر ثقافة التصميم الأخلاقي للمعدات وتعزيز الشفافية في الإنتاج والتسويق.
وتحث هذه الجهات المصنّعين على الالتزام بأبحاث السلوك الحيواني، وتطوير أدوات تقلل الضغط البدني والنفسي على الخيول أثناء التدريب والمنافسة. ويرى الخبراء أن هذا التوجه العلمي ليس فقط مطلباً أخلاقياً، بل أيضا تجاريا، لأن المستهلك المعاصر أصبح أكثر وعياً بالمسؤولية الاجتماعية للمنتجات التي يشتريها.
السؤال الذي طرحه مؤتمر رابطة تجارة الفروسية البريطانية لم يكن مجرد نقاش حول الموضة، بل اختبار لقيمنا كبشر.
فهل نرى الخيول شركاء أم مجرد أدوات؟
الإجابة تتجلى في التفاصيل الصغيرة: في نوع السرج، في ملمس اللجام، وفي نظرتنا إلى السوط. إذ إن مستقبل الفروسية يعتمد على هذا الوعي الأخلاقي، الذي يجعل من كل فارس حارساً لكرامة الخيل قبل أن يكون باحثاً عن النصر.
المصدر :
موقع Horse & Hound
الخيول العربية تتصدر ختام موسم السباقات البولندي
الاتحاد الدولي للفروسية يخفف قاعدة “عدم وجود دم” ويثير جدلاً واسعاً
11.164 مليون درهم حصيلة مزاد مربط دبي للخيول العربية 2025
الفايكينغ والخيول قصة تحكيها آثار ترجع لأكثر من ألف عام
أمسية قوية في الأسبوع الرابع من موسم سباقات الرياض
فرس بـ6.2 مليون دولار! كيف وضعت المزادات العالمية لسباقات الخيل معياراً جديداً؟
مأساة جديدة في عالم سباقات الخيول وسباق بريدرز كاب





Leave a Reply