مشهد مستغرب أصبح له حضور متزايد.. كيف دخلت المرأة ميدان التبوريدة المغربية؟

مشهد مستغرب أصبح له حضور متزايد.. كيف دخلت المرأة ميدان التبوريدة المغربية؟
مشهد مستغرب أصبح له حضور متزايد.. كيف دخلت المرأة ميدان التبوريدة المغربية؟

في عام 1980، ظهرت فتاة يافعة بين فرسان التبوريدة في المغرب. لم تكن تقف على هامش العرض لمتابعته، بل امتطت جوادها وشاركت في مشهد كان يُنظر إليه آنذاك باعتباره مجالًا رجاليًا بالدرجة الأولى.

كانت تلك الفتاة عائشة، التي وُلدت عام 1966، وفق المادة التي نشرتها الجزيرة الوثائقية حديثًا. ولفت ظهورها الانتباه في مجتمع كانت مشاركة المرأة في ركوب الخيل، خصوصًا ضمن عروض التبوريدة، تواجه نظرة اجتماعية محافظة وانتقادات واسعة.

بعد أكثر من أربعة عقود، تبدو الصورة مختلفة. ظهرت في المغرب سربات نسائية تمارس التبوريدة بصورة منظمة، وتشارك في المواسم والمهرجانات، فيما أصبحت بعض الفارسات قائدات لفرق كاملة.

لكن هذا التحول لم يحدث دفعة واحدة. جاء نتيجة مسار طويل من التدريب والممارسة وتغير النظرة الاجتماعية إلى حضور المرأة في الفروسية.

التبوريدة.. أكثر من استعراض للخيول

التبوريدة، المعروفة أيضًا بالفانتازيا المغربية، ليست مجرد عرض للفرسان والخيول.

وتصفها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونسكو” بأنها أداء فروسي مغربي يعود إلى القرن السادس عشر، ويحاكي استعراضات عسكرية وفق تقاليد عربية وأمازيغية متوارثة.

يتكون العرض من مراحل منظمة. يبدأ بالتحية والاستعراض، ثم تنطلق السربة بسرعة قبل إطلاق طلقات البارود في لحظة متزامنة.

وتحتاج هذه العملية إلى قدر كبير من الانضباط. فالفارس لا يعمل بصورة منفردة، بل يتحرك ضمن مجموعة تحافظ على الترتيب والسرعة والتوقيت نفسه.

ويحتاج الجواد أيضًا إلى التدريب على الضوضاء والحركة والانطلاق السريع، والاستجابة لإشارات الفارس.

لذلك، فإن دخول المرأة إلى هذا المجال لم يكن مجرد تغيير في هوية من يجلس على السرج. بل كان دخولًا إلى منظومة كاملة من المهارات والقواعد والمسؤوليات.

عندما أصبح السرج مساحة للاختبار

أحد أبرز التحولات في هذه القصة هو الانتقال من المشاركة الفردية إلى تشكيل "سربات" نسائية.
أحد أبرز التحولات في هذه القصة هو الانتقال من المشاركة الفردية إلى تشكيل “سربات” نسائية.

في البيئات التي ارتبطت فيها الفروسية التقليدية بالرجال، لم يكن قبول المرأة في الميدان مسألة تقنية فقط.

كانت هناك تصورات اجتماعية حول الأدوار المناسبة للمرأة. ولهذا ارتبط ركوبها للخيل أحيانًا بالاستغراب أو اللوم.

وتشير مصادر صحفية مغربية إلى أن التبوريدة ظلت لفترة طويلة حكرًا على الرجال، قبل أن تبدأ النساء في الظهور داخل هذا المجال.

ومع بداية الألفية الجديدة، بدأت مجموعات من الفتيات في تشكيل فرق نسائية منظمة. وتذكر تقارير عن تجربة الفارسة حليمة البحراوي أنها بدأت ممارسة التبوريدة عام 2001، ثم ساهمت في تشكيل فرقة نسائية في المحمدية.

كما وثقت تقارير أخرى ظهور فرق نسائية منذ بداية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، قبل أن تنتشر التجربة في مناطق مختلفة من المغرب.

وبذلك، لم يعد ظهور امرأة على صهوة جواد مشهدًا فرديًا بالضرورة. بدأ يتحول تدريجيًا إلى ممارسة جماعية لها تدريبها وتنظيمها وجمهورها.

من الاستثناء إلى السربات النسائية

أحد أبرز التحولات في هذه القصة هو الانتقال من المشاركة الفردية إلى تشكيل “سربات” نسائية.

السربة وحدة أساسية في التبوريدة. وتضم عددًا من الفرسان الذين يؤدون الحركات بصورة متزامنة تحت قيادة “المقدم” أو “المقدمة”.

وفي النسخ النسائية، تولت فارسات أدوار القيادة والتدريب وتنظيم المجموعة.

وتوضح مصادر مغربية أن بعض السربات النسائية بدأت في فرض أسلوب خاص بها، سواء في اللباس أو طريقة الأداء، مع الحفاظ على القواعد الأساسية للفن.

وفي عام 2025، شاركت ثلاث سربات نسائية في عروض موسم مولاي عبد الله أمغار بالجديدة، وفق ما أوردته وكالة المغرب العربي للأنباء عبر البوابة الرسمية للمغرب.

ويكشف هذا التطور أن المسألة لم تعد مرتبطة بقدرة المرأة على ركوب الخيل فقط.

فالاختبار الحقيقي في التبوريدة يتعلق بالانضباط الجماعي، والسيطرة على الجواد، ودقة الحركة والتوقيت. كما يتطلب القدرة على التعامل مع البندقية والبارود ضمن عرض جماعي شديد الحساسية للخطأ.

التدريب يسبق لحظة إطلاق البارود

أهم مميزات التبوريدة المغربية
أهم مميزات التبوريدة المغربية

خلف المشهد القصير الذي يراه الجمهور، توجد ساعات طويلة من التدريب.

على الفارسة أن تتعلم التحكم في الجواد عند السرعة، وأن تحافظ على موقعها داخل السربة. كما يجب أن تستجيب لإشارات القائدة في الوقت المناسب.

ويزداد الأمر تعقيدًا عندما تكون الخيول في حالة حماس بسبب الجمهور والضجيج والحركة.

لهذا تصبح علاقة الفارسة بجوادها عنصرًا أساسيًا في الأداء. فالخيول المستخدمة في التبوريدة تحتاج إلى التدريب والترويض، والاستجابة للانطلاق والتوقف وتغيير السرعة والعمل وسط مجموعة من الخيول.

وتوضح اليونسكو أن نقل مهارات التبوريدة يتم داخل العائلات والمجتمعات عبر الملاحظة والممارسة والتقاليد الشفوية.

وهذا يفسر أهمية البيئة المحيطة بالفارس أو الفارسة في اكتساب مهارات هذا الفن.

عائشة.. قصة مبكرة في سياق مختلف

من هذه الزاوية، تكتسب قصة عائشة أهمية خاصة.

فإذا كانت مشاركتها تعود إلى عام 1980، كما تذكر الجزيرة الوثائقية، فإنها ظهرت في مرحلة سبقت انتشار السربات النسائية المنظمة بسنوات طويلة.

كانت في الرابعة عشرة تقريبًا عندما دخلت ميدانًا لم يكن حضور النساء فيه أمرًا معتادًا.

ولا يعني ذلك أن عائشة كانت أول امرأة في تاريخ المغرب تركب الخيل أو تمارس الفروسية. فالتاريخ المغربي يعرف قصصًا أقدم لفارسات، من بينها الروايات المرتبطة بعائشة البحرية في منطقتي دكالة وعبدة خلال مقاومة الاستعمار.

كما ارتبط اسمها بالموروث الشفهي المصاحب لفن العيطة والتبوريدة.

لكن أهمية قصة عائشة تكمن في سياقها الاجتماعي الحديث. فقد كانت فتاة صغيرة تظهر وسط فرسان التبوريدة في وقت كانت فيه مشاركة المرأة في هذا المجال تواجه اعتراضًا اجتماعيًا.

المشهد تغير.. لكن الطريق لم ينتهِ

لا يعني انتشار التبوريدة النسائية أن الحواجز اختفت بالكامل.

ففي عام 2026، وثقت المصورة الإيطالية شانتال بينزي، ضمن مشروعها “بنات البارود”، تجارب نساء مغربيات يخضن هذا المجال، مشيرة إلى استمرار بعض الانتقادات والتحديات التي تواجه المشاركات.

كما أشار التقرير إلى أن عدد الفرق النسائية بالكامل لا يزال محدودًا.

وتكشف هذه المعطيات عن تحول تدريجي. فقد أصبح حضور المرأة أكثر ظهورًا وتنظيمًا، لكنه لا يزال حديثًا نسبيًا مقارنة بتاريخ التبوريدة الطويل.

ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة تجربة عائشة باعتبارها جزءًا من مرحلة انتقالية. لم تغيّر فتاة واحدة قواعد الفروسية التقليدية، لكنها ظهرت في ميدان كان يتغير ببطء، وسبقت بسنوات مرحلة أصبحت فيها مشاركة النساء أكثر تنظيمًا ووضوحًا.

اليوم، عندما تنطلق سربة نسائية في ميدان التبوريدة، يصبح المشهد مختلفًا عما كان عليه قبل عقود.

فالمرأة لا تظهر بوصفها متفرجة على الفروسية، بل بوصفها فارسة وقائدة ومدربة وصاحبة قرار داخل الميدان.

ويبقى جوهر التبوريدة كما هو: جواد مدرب، وفارس أو فارسة منضبط، وسربة تتحرك كوحدة واحدة.

أما التغيير الأبرز، فهو أن السرج الذي كان يُنظر إليه طويلًا باعتباره مساحة للرجال، أصبح مفتوحًا أمام فارسات يواصلن اختبار مهاراتهن في واحد من أكثر عروض الفروسية المغربية تعقيدًا.

المصادر:

الجزيرة الوثائقية

البوابة الرسمية للمغرب

مركز الاتحاد للأخبار

CNN عربية

الجامعة الملكية المغربية للفروسية (FNF).

حقل تحتفي باليوم الوطني بمسيرات الخيل والهجن

براق يحتفظ بلقب كأس رئيس الدولة للخيول العربية في الدار البيضاء

من الدورين إلى طاعون الخيل والرعام.. كيف تبني السعودية منظومة صحية أكثر أمانًا للخيول؟

في الموصل.. خيول تحمل أنسابها من جيل إلى جيل “راية العباس” نموذج لمربط عائلي يحافظ على سلالات الخيل العربية الأصيلة

الرابط المختصر :