الثقة قبل السباق.. كيف أعاد فارس تونسي حصانًا مصابًا إلى الميدان؟

دراسات علم سلوك الخيل تشير إلى أن العلاقة بين الإنسان والحصان ترتبط بقضايا السلامة والرفاه
دراسات علم سلوك الخيل تشير إلى أن العلاقة بين الإنسان والحصان ترتبط بقضايا السلامة والرفاه

لا تبدأ العلاقة بين الفارس والحصان عند بوابة ميدان المنافسة، ولا تنتهي عند خط الوصول. في كثير من الحالات، تبدأ النتيجة قبل ذلك بوقت طويل. تبدأ داخل الإسطبل، وفي جلسات التدريب اليومية. هناك يتعلم الحصان الاستجابة للفارس. ويتعلم الفارس قراءة إشارات الحيوان وحالته الجسدية والنفسية.

تعود هذه الفكرة إلى الواجهة مع فيلم “عندما أهمس في أذن حصاني”. ويتناول الفيلم تجربة الفارس التونسي محمد رؤوف الشايبي مع حصان مصاب ومهمل اسمه “غوزمانيا”.

وتروي الجزيرة الوثائقية قصة فارس اختار إعادة تأهيل الحصان. ثم عمل على إعادته إلى حلبة السباق، بدل التعامل معه بوصفه حصانًا فقد قدرته على المنافسة.

وتشير مادة حديثة نشرتها الجزيرة الوثائقية إلى أن بناء الثقة بين الشايبي وحصانه استغرق أربعة أشهر.

وتضع التجربة العلاقة بين الإنسان والحيوان في قلب عملية التأهيل، وليس على هامشها.

الإصابة لا تنتهي عند الجسد

الفارس التونسي محمد رؤوف الشايبي
الفارس التونسي محمد رؤوف الشايبي

عندما يتعرض الحصان لإصابة، لا تتعلق المشكلة بالأنسجة أو العضلات أو المفاصل فقط.

فترة الألم وقلة الحركة وتغير الروتين قد تؤثر أيضًا في سلوك الحصان.

وتظهر هذه المسألة بوضوح لدى الخيول التي تضطر إلى البقاء لفترات طويلة داخل الإسطبل.

وفي مقطع مرتبط بالفيلم، تحدث محمد رؤوف عن الآثار النفسية للحبس. وأشار إلى أن تقييد الحركة قد يرتبط بالتوتر وبعض السلوكيات النمطية لدى الحصان.

لذلك، لا تعني العودة إلى التدريب ببساطة زيادة مدة التمرين بعد انتهاء العلاج.

يحتاج المدرب إلى التأكد من قدرة الحصان على تحمل النشاط. كما يحتاج إلى مراقبة طريقة حركته واستجابته.

بعد ذلك، تُرفع الأحمال التدريبية تدريجيًا وفق حالة الحصان.

وتبقى الخطة الطبية والتأهيلية مرتبطة بطبيعة الإصابة وتقييم الطبيب البيطري.

لذلك، لا يمكن اختزال إعادة تأهيل حصان مصاب في وصفة تدريب واحدة تصلح لجميع الحالات.

لماذا تصبح الثقة مهمة في الميدان؟

 

يعتمد الحصان بدرجة كبيرة على الاستجابة للمثيرات المحيطة به.

الأصوات المفاجئة، وحركة الجمهور، والحواجز، وتغير الأرضية، أو اقتراب حصان آخر، كلها عوامل يمكن أن تؤثر في سلوكه.

في هذه البيئة، يحتاج الفارس إلى التواصل مع حصانه من خلال إشارات واضحة ومتسقة.

ويحتاج الحصان بدوره إلى الاستجابة لهذه الإشارات دون الدخول في حالة خوف أو ارتباك.

تشير دراسات في علم سلوك الخيل إلى أن العلاقة بين الإنسان والحصان ترتبط بقضايا السلامة والرفاه.

كما يمكن للخوف والاستجابات غير المرغوبة أن تزيد مخاطر الإصابة للطرفين.

لكن الباحثين يحذرون من استخدام مفهوم “الثقة” بصورة مبسطة.

فطبيعة العلاقة بين الخيل والبشر ما تزال موضوعًا يحتاج إلى مزيد من البحث.

وفي دراسة تجريبية شملت 12 حصانًا، انخفضت معدلات ضربات القلب خلال اختبارات لاحقة للتدريب.

وقد يرتبط ذلك بالتعوّد على الموقف، أو بالتدريب نفسه، أو بوجود الشخص المألوف.

لكن الدراسة لم تقدم دليلًا حاسمًا على تكوّن رابطة تعلق بين الحصان والمدرب. وهذا التفصيل مهم. فالعلاقة الجيدة لا تعني بالضرورة أن الحصان “يحب” الفارس بالمعنى البشري.

الأدق علميًا هو الحديث عن انخفاض الخوف، وتحسن الاستجابة، والقدرة على التنبؤ بإشارات الطرف الآخر.

كما يمكن أن تتشكل لدى الحصان خبرات متكررة مرتبطة بقدر أقل من التوتر.

أربعة أشهر لبناء علاقة جديدة

في قصة محمد رؤوف الشايبي، تبدو الأشهر الأربعة عنصرًا أساسيًا في فهم التجربة. فالوقت هنا ليس مجرد فترة تدريب إضافية. إنه مساحة لبناء سلسلة من التجارب المتكررة مع الحصان. مع الوقت، يمكن أن تصبح الاقترابات واللمس والعناية والتدريب مرتبطة ببيئة أكثر قابلية للتوقع.

وتشير مراجعات علمية إلى أن أسلوب التعامل والتدريب يمكن أن يؤثر في استجابة الحصان للإنسان.

كما وجدت بعض الدراسات ارتباطًا بين التفاعلات الإيجابية وزيادة اهتمام الخيل بالتعامل مع البشر. لكن النتائج تختلف بحسب طريقة التدريب والفروق الفردية بين الخيول.

وهنا تظهر أهمية التدرج. فالحصان الذي مر بتجربة مؤلمة أو إصابة قد لا يستجيب للتدريب بالطريقة نفسها التي يستجيب بها حصان سليم اعتاد العمل المنتظم.

وقد يؤدي رفع مستوى الضغط بسرعة إلى استجابة ظاهرية مؤقتة. لكنه لا يعالج بالضرورة سبب الخوف. أما التدريب المتدرج، فيسمح بمراقبة رد فعل الحصان وتعديل الخطوة التالية وفقًا لذلك.

الفارس يقرأ أكثر مما يأمر

الفارس التونسي محمد رؤوف الشايبي مع حصان
الفارس التونسي محمد رؤوف الشايبي مع حصان

في التدريب الحديث، لا تقتصر مهارة الفارس على إعطاء الأوامر. جزء أساسي من العمل هو ملاحظة التفاصيل الصغيرة في سلوك الحصان.

تغير الإيقاع، وتردد الحصان، وشد العضلات، وحركة الرأس والأذنين، وطريقة التنفس، أو رفض الاقتراب من موقف معين، كلها إشارات يمكن أن تساعد المدرب على فهم حالة الحيوان.

وتصبح هذه القراءة أكثر أهمية بعد الإصابة. فالحصان قد يبدو قادرًا على الحركة، لكنه قد لا يكون مستعدًا بعد لتحمل مستوى العمل السابق.

كما أن السلوك غير المعتاد قد يكون مؤشرًا على ألم أو توتر، وليس مجرد “عناد” أو رفض للتدريب. وتشير مراجعة علمية حديثة حول جودة حياة الخيل إلى أهمية قراءة السلوك أثناء التعامل والتدريب والركوب.

كما تؤكد أهمية الانتباه إلى أن بعض علامات الألم أو الخوف قد تكون مخفية بسبب سيطرة الإنسان على حركة الحيوان.

العودة إلى السباق ليست الهدف الوحيد

تطرح قصة “غوزمانيا” سؤالًا أوسع من إمكانية العودة إلى المنافسة.

ماذا يعني تأهيل الحصان أصلًا؟

إذا كان الهدف الوحيد هو إعادة الحيوان إلى السباق بأسرع وقت، فقد تتحول عملية التأهيل إلى سباق آخر ضد الزمن.

أما إذا كان الهدف استعادة قدرته على الحركة والتعامل والتدريب بصورة آمنة، فإن العودة إلى المنافسة تصبح نتيجة محتملة.

ولا تعود هي المعيار الوحيد للنجاح. هذا الفارق مهم في رياضة تعتمد على الأداء. فمتطلبات المنافسة قد لا تتطابق دائمًا مع احتياجات الحيوان.

وتناقش الأوساط البيطرية الحديثة بصورة متزايدة كيفية تحقيق التوازن بين متطلبات الأداء ورفاه الخيل.

وتصبح المسألة أكثر أهمية عند التعامل مع الإصابات والعلاج والعودة إلى العمل.

الثبات يبدأ قبل الحاجز

في النهاية، لا يصنع الثبات في ميدان الفروسية السرج وحده.

ولا تصنعه قوة الفارس أو كثرة التدريب على الحواجز فقط.

الثبات يتشكل من علاقة واضحة بين طرفين.

يعرف الفارس كيف يرسل الإشارة. ويعرف الحصان كيف يستجيب لها. ويستطيع الطرفان التعامل مع المواقف غير المتوقعة دون أن يتحول الخوف إلى رد فعل خطير.

لهذا تبدو قصة محمد رؤوف الشايبي مع “غوزمانيا” مثالًا لعملية تتجاوز إعادة حصان مصاب إلى السباق. إنها تذكير بأن الأداء الرياضي يبدأ من العناية اليومية.

وأن الطريق إلى الميدان قد يمر أولًا عبر استعادة الأمان، وتحسين التواصل، وبناء خبرات أقل توترًا.

فالفارس الذي يريد حصانًا ثابتًا في لحظة المنافسة، يحتاج قبل ذلك إلى بناء علاقة مستقرة معه في اللحظات التي لا يراه فيها أحد.

المصادر

الجزيرة الوثائقية.

الجزيرة نت.

نبض.

Hartmann et al., Animals.

PubMed Central (PMC).

مشهد مستغرب أصبح له حضور متزايد.. كيف دخلت المرأة ميدان التبوريدة المغربية؟

حقل تحتفي باليوم الوطني بمسيرات الخيل والهجن

براق يحتفظ بلقب كأس رئيس الدولة للخيول العربية في الدار البيضاء

من الدورين إلى طاعون الخيل والرعام.. كيف تبني السعودية منظومة صحية أكثر أمانًا للخيول؟

في الموصل.. خيول تحمل أنسابها من جيل إلى جيل “راية العباس” نموذج لمربط عائلي يحافظ على سلالات الخيل العربية الأصيلة

الرابط المختصر :