حنا سعادة يوثق في خمسة مجلدات تاريخ الخيل وأنسابها وصفاتها وفنون الفروسية ومكانتها في الثقافة العربية. إذ أن علاقة العربي بالخيل ليست علاقة رياضية عابرة، ولا مجرد ارتباط بين فارس وجواده في ميدان سباق أو ساحة منافسة. فمنذ قرون طويلة، حضرت الخيل في حياة العرب بوصفها رفيقًا في الحرب والسفر والصيد، ورمزًا للقوة والجمال والنبل، وموضوعًا للشعر والحكاية والمأثور الشعبي.
ومن هذه المساحة الواسعة بين التاريخ والثقافة والفروسية، تأتي موسوعة «العاديات: أكبر موسوعة عربية في الخيول» للكاتب حنا سعادة، بوصفها محاولة موسوعية لجمع جوانب متعددة من عالم الخيل العربي في عمل واحد.
وقد صدرت الموسوعة في أبوظبي عام 2005 عن مركز الوثائق والبحوث، وجاءت في خمسة مجلدات مصوّرة.
وتوضح الفهارس الرسمية أن المجموعة تحمل أرقامًا دولية مستقلة لكل مجلد، بينما يضم المجلد الخامس قائمة ببليوغرافية بالمصادر والمراجع المستخدمة في إعداد العمل.
كما تكمن أهمية «العاديات» في اتساع الموضوعات التي تجمعها؛ فهي لا تتعامل مع الحصان من زاوية واحدة. وإنما تنظر إليه باعتباره كائنًا بيولوجيًا، وتراثًا ثقافيًا، ورفيقًا للفارس، وموضوعًا أدبيًا وتاريخيًا، وعنصرًا أساسيًا في منظومة الفروسية العربية.
خمسة مجلدات لذاكرة واحدة
تقدم الموسوعة مادة واسعة حول أنواع الخيل وأسمائها ومواطنها، مع اهتمام خاص بتاريخ الخيول العربية وأصولها وانتشارها.
كما تتوقف عند ما ورد عن الخيل في القرآن الكريم والسنة النبوية، وتجمع عددًا من الأقوال المأثورة والنصوص الأدبية التي ارتبطت بالخيل في الثقافة العربية.
ولا تتوقف «العاديات» عند الجانب التراثي. إذ تتناول كذلك موضوعات عملية وفنية مرتبطة بالخيل، من بينها التربية والتدريب، والتغذية، والألوان والصفات، وأعضاء الخيل وطباعها، وأدوات الفروسية.

إضافة إلى الأمراض والأدوية وسباقات الخيل. وتصفها المكتبة الوطنية في دولة الإمارات بأنها عمل يعرّف بأنواع الخيل وأسمائها ومواطنها، ويستعرض أشهر الخيول في التاريخ. إلى جانب موضوعات الفروسية وتربية الخيل وأدوائها وصفاتها وغذائها وأدواتها.
وهذا التنوع هو الذي يمنح الموسوعة قيمتها الأساسية؛ فالقارئ لا يجد أمامه تاريخًا للخيل فقط، ولا كتابًا في الطب البيطري، ولا معجمًا للأسماء، وإنما يجد محاولة للجمع بين هذه المسارات ضمن مشروع واحد.
الخيل في الذاكرة العربية
من أبرز أبواب «العاديات» حضور الخيل في الأدب العربي. فالكتاب يتعامل مع الحصان باعتباره شخصية حاضرة في الشعر والحكمة والمأثور، وليس مجرد حيوان استخدمه الإنسان في التنقل أو القتال.
وقد حفظ الشعر العربي أسماء خيول كثيرة، وربطها بأصحابها ومآثرهم. وكانت صفات الجواد وسرعته وشجاعته ووفائه وجماله مادة متكررة في القصيدة العربية. ومن هنا تصبح دراسة الخيل دراسة لجانب من جوانب الثقافة العربية نفسها.
الموسوعة مصنفة ضمن المراجع المتعلقة بالخيول العربية في الأدب والشعر العربي. وهو ما يؤكد اتساع مجالها الثقافي إلى ما يتجاوز المعلومات المتعلقة بالسلالات والتربية.
ومن الأمثلة التي تتوقف عندها الموسوعة الخيول الشهيرة في التاريخ العربي، بما فيها حصان عنترة بن شداد، إلى جانب نماذج أخرى ارتبطت بشخصيات وأحداث تاريخية.
من النسب إلى الصفات
الخيل العربي لا يمكن فصله عن مسألة النسب. فأنساب الخيل شكلت جزءًا مهمًا من الثقافة الفروسية العربية. حيث كان حفظ أصل الجواد وتوثيق آبائه وأمهاته وسيلة لمعرفة قيمته ومكانته.
وتمنح «العاديات» مساحة للأنواع والأسماء والمواطن والصفات. بما يجعلها مفيدة للباحث الذي يريد الاقتراب من الطريقة التي تعامل بها العرب مع تصنيف الخيل ووصفها.
وهنا تبرز إحدى القضايا المهمة في تاريخ الخيل العربي: الاسم لم يكن مجرد تسمية، واللون لم يكن مجرد مظهر خارجي، والصفة لم تكن وصفًا عابرًا. فقد ارتبطت هذه العناصر في الذاكرة الفروسية بمعرفة الجواد وتمييزه وتقدير خصائصه.
الفروسية ليست سباقًا فقط

في زمن أصبحت فيه الفروسية منظومة رياضية عالمية تشمل سباقات السرعة وقفز الحواجز والترويض والقدرة والتحمل وغيرها، من السهل النظر إلى الخيل من خلال المنافسة وحدها.
لكن «العاديات» تقدم منظورًا أوسع.
فالفروسية في التراث العربي منظومة متكاملة تضم الفارس والجواد والتربية والعناية والتدريب والأدوات والمعرفة. ولذلك تتناول الموسوعة أدوات الفروسية، وطرق تربية الخيل، وسباقاتها، إلى جانب صفاتها وطباعها وغذائها.
وهذه النظرة المتكاملة مهمة حتى للقارئ المعاصر؛ لأنها تذكّر بأن الفارس الحقيقي لا يبدأ من لحظة دخول الميدان، بل من المعرفة بالجواد وفهم احتياجاته وطبيعته وقدراته.
من التاريخ إلى العناية اليومية
من الجوانب اللافتة في الموسوعة انتقالها من الموضوعات التاريخية والأدبية إلى موضوعات عملية تتعلق بالخيل نفسها.
فهي تتناول الغذاء والطباع والصفات والأعضاء، كما تتطرق إلى أمراض الخيل وأدويتها. وتظهر هذه الموضوعات بوضوح في الفهرسة الموضوعية للمجلدات، التي تشمل تغذية الخيول وأمراضها وأدواتها إلى جانب السباقات والفروسية.
وهذا الجانب يجعل الكتاب أكثر من مجرد وثيقة تراثية. إنه محاولة لجعل المعرفة بالخيل معرفة متعددة المستويات، تبدأ من تاريخ الحيوان ومكانته، ولا تنتهي إلا عند تفاصيل رعايته.
ومع ذلك، فإن القارئ المعاصر ينبغي أن يتعامل مع المعلومات الطبية والعلاجية الواردة في أي كتاب صدر قبل أكثر من عقدين بوصفها مادة تاريخية ومرجعية، لا بديلًا عن الطب البيطري الحديث والمعايير العلمية الحالية.
مصادر عربية في مشروع واحد
من أهم ما يمنح «العاديات» قيمتها المرجعية اعتمادها على مجموعة واسعة من المصادر العربية. وتذكر المكتبة الوطنية في دولة الإمارات أن المؤلف اعتمد في إعداد الموسوعة على أمهات المراجع والمصادر العربية الموثوقة.
كما يضم المجلد الخامس ببليوغرافيا للمراجع في صفحات مخصصة لذلك.
وهذه النقطة مهمة في تقييم أي موسوعة؛ فالموسوعة لا تكتسب قيمتها من ضخامة حجمها وحدها، وإنما من قدرتها على جمع المعلومات وترتيبها وإسنادها إلى مصادر يمكن الرجوع إليها.
لماذا «العاديات» مهمة اليوم؟
بعد أكثر من عشرين عامًا على صدورها، يمكن النظر إلى «العاديات» بوصفها جزءًا من مشروع توثيق عربي لعالم الخيل.
فالاهتمام العالمي بالخيول العربية اليوم أصبح أكثر تخصصًا. هناك سجلات للأنساب، ومزارع متخصصة، ومراكز بحثية، ومزادات دولية، وبطولات جمال وسباقات وقدرة وتحمل، إلى جانب صناعة واسعة مرتبطة بالخيل.
لكن كل هذه التطورات الحديثة تحتاج إلى ذاكرة.
وهنا تظهر قيمة الكتب الموسوعية؛ فهي تحفظ أسماء الخيول، والمصطلحات، والمعتقدات، والعادات، والقصص، والنصوص الأدبية، وأساليب التعامل مع الخيل في مرحلة تاريخية معينة.
ومن هذه الزاوية، فإن «العاديات» ليست مجرد كتاب عن الحصان، بل محاولة لحفظ ذاكرة الإنسان العربي مع الحصان.
كتاب للفارس والباحث والقارئ
قد يجد الفارس في الموسوعة مادة تتصل بالتربية والرعاية والصفات، بينما يجد الباحث مادة تاريخية وأدبية، ويجد المهتم بالتراث العربي حكايات وأسماء وأقوالًا مرتبطة بالخيل.
وهذا التنوع يجعلها أقرب إلى مكتبة صغيرة عن الخيل داخل خمسة مجلدات.
حين يصبح الكتاب تلخيصاً للذاكرة
ربما تكون أجمل طريقة لقراءة «العاديات» اليوم هي النظر إليها باعتبارها محاولة لإنقاذ جزء من الذاكرة العربية من النسيان.
فالخيل التي عاشت في القصائد، ورافقَت الفرسان في المعارك والأسفار، وارتبطت بأسماء القبائل والأمراء والشعراء، لا يمكن أن تبقى حاضرة في الذاكرة من دون توثيق. ومن هنا تأتي أهمية الكتاب.
إنه يجمع في صفحاته بين الخيل والتاريخ والأدب والطب والتربية والرياضة والتراث، ويضعها في سياق واحد عنوانه الفروسية.
وفي زمن تتسارع فيه المعرفة الرقمية وتتغير فيه مصادر المعلومات، تبدو العودة إلى هذا النوع من الموسوعات أكثر أهمية؛ لأن الكتاب الورقي لا يقدم المعلومة فقط، وإنما يحفظ سياقها، ومصدرها، والمرحلة التي كُتبت فيها.
لقد كان العربي قديمًا يحفظ نسب جواده كما يحفظ نسبه، ويحفظ صفاته كما يحفظ أسماء آبائه وأجداده. وفي «العاديات» محاولة حديثة لاستعادة شيء من هذه العلاقة، ولكن بلغة الموسوعة والتوثيق.
«العاديات» في النهاية ليست موسوعة عن الخيل فحسب؛ إنها موسوعة عن الحضارة التي رأت في الخيل أكثر من وسيلة للركوب، فرأت فيها شريكًا في التاريخ، وموضوعًا للشعر، وعنوانًا للفروسية، ورفيقًا للإنسان.
ولهذا تبقى قراءة مثل هذا العمل فرصة لاستعادة السؤال القديم الذي لم تفقده الخيل العربية بريقه: ماذا كان الحصان بالنسبة إلى الإنسان العربي، وكيف استطاع أن يحتل كل هذه المساحة في ذاكرته؟
العراق يحصد أربع ميداليات في تصفيات كأس العالم للفروسية بموسكو
فارين.. رحيل «الكابتن» الذي ترك بصمته على تاريخ سباقات التروت
جوائز أكبر وبطولات جديدة تعزز تنافسية سباقات الخيل في الرياض
أمطار أغسطس تؤجل «باليو سيينا» مرتين.. وسباق تاريخي ينتظر لحظته الحاسمة
خيول تعبر البياض.. ركوب الخيل يضيف تجربة جديدة إلى مشهد بحيرة الملح التركية





Leave a Reply