سلالة نادرة من سلالات الخيل أصبحت في قلب مشروع الدولة!
في تركمانستان، لا تعامل خيول “أخال تيكي” بوصفها مجرد ثروة حيوانية أو إرثًا ثقافيًا. بل باعتبارها رمزًا وطنيًا يحتل مكانة استثنائية في الحياة العامة والسياسية. ومع تنظيم المسابقة السنوية لاختيار أجمل حصان في العاصمة عشق آباد، عادت هذه السلالة العريقة إلى واجهة المشهد. لتكشف مجددًا عن الدور الذي تؤديه في صياغة الهوية الوطنية وتعزيز صورة الدولة في الخارج.
وقد جاءت النسخة الأخيرة من المسابقة بحضور الرئيس التركماني سيردار بردي محمدوف. حيث توج الفحل “هانكرفين” بلقب أجمل حصان في البلاد بعد ظهوره مزينًا بالحلي الذهبية والزخارف التقليدية، في مشهد يعكس المكانة التي تحظى بها هذه الخيول داخل المجتمع التركماني.
أكثر من رياضة أو تربية خيول
تمتد قصة أخال تيكي إلى قرون طويلة في سهول وصحارى آسيا الوسطى. ويعتقد خبراء الخيول أن السلالة تعد من أقدم سلالات الخيل الأصيلة في العالم. وقد اشتهرت بقدرتها على التحمل وسرعتها وقوامها الرشيق ولمعان فرائها المميز الذي يمنحها بريقًا معدنيًا فريدًا تحت أشعة الشمس.

وتتميز هذه الخيول ببنية جسدية مختلفة عن معظم السلالات الأخرى، إذ تمتلك أعناقًا طويلة وأطرافًا نحيلة وعضلات قوية. ما جعلها مناسبة لسباقات التحمل والمسابقات الرياضية المختلفة، بما في ذلك الترويض وقفز الحواجز.
لكن أهمية أخال تيكي في تركمانستان تتجاوز قيمتها الرياضية. فالسلالة تحولت إلى أحد أبرز رموز الدولة الحديثة. كذلك ظهرت على الشعارات الرسمية والعملات والطوابع والنصب التذكارية المنتشرة في أنحاء البلاد.
صناعة هوية وطنية حول الحصان
منذ وصول عائلة بردي محمدوف إلى السلطة، أصبح الحصان التركماني جزءًا أساسيًا من الخطاب الرسمي للدولة. وتربط السلطات بين تاريخ السلالة وتاريخ الشعب التركماني، باعتبارها شاهدًا على مراحل طويلة من الحياة البدوية والتنقل عبر الصحراء.
وتستخدم وسائل الإعلام الحكومية أوصافًا ذات طابع رمزي مثل “الخيول السماوية” و”الخيول المجنحة المخلصة”. وذلك في محاولة لترسيخ صورة أخال تيكي باعتبارها مكونًا جوهريًا للهوية الوطنية.
وتعكس المشاريع العمرانية والثقافية هذا التوجه بوضوح. فقد شهدت السنوات الأخيرة تدشين تماثيل ضخمة للخيول ومراكز متخصصة للفروسية، إلى جانب إقامة مهرجانات ومسابقات دورية تحتفي بالسلالة وتاريخها.
الخيول في خدمة القوة الناعمة
في بلد يتمتع بعلاقات دولية محدودة مقارنة بجيرانه، أصبحت خيول أخال تيكي إحدى أدوات القوة الناعمة التي تعتمد عليها عشق آباد لتعزيز حضورها الخارجي.
وخلال العقود الماضية، قدمت السلطات التركمانية خيولًا من هذه السلالة هدايا رسمية لعدد من القادة والشخصيات الدولية. من بينهم فلاديمير بوتين وشي جين بينغ، في خطوة تحمل أبعادًا دبلوماسية ورمزية تتجاوز قيمتها المادية.
ويرى مراقبون أن هذه السياسة تسمح لتركمانستان بإبراز أحد عناصر تفردها الثقافي على الساحة الدولية. خصوصًا في ظل محدودية انخراطها في العديد من الملفات السياسية والإقليمية.
من خطر الاندثار إلى الاعتراف الدولي
شهدت سلالة أخال تيكي تراجعًا ملحوظًا خلال الحقبة السوفياتية، ما أثار مخاوف بشأن مستقبلها. غير أن برامج التربية الحكومية ساهمت في الحفاظ على أعدادها وإعادة إحيائها.
وحصلت السلالة على دفعة معنوية مهمة عندما أدرجت منظمة اليونسكو تقاليد تربية خيول أخال تيكي ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي. وهو ما اعتبرته السلطات التركمانية اعترافًا دوليًا بقيمة هذا الإرث التاريخي.
وتشير تقديرات متخصصة إلى أن عدد هذه الخيول حول العالم لا يزال محدودًا مقارنة بالسلالات الشهيرة الأخرى، ما يزيد من قيمتها الثقافية والاقتصادية.
بين التراث والسياسة
تكشف قصة أخال تيكي عن نموذج فريد لكيفية توظيف التراث في بناء الصورة الوطنية. فالخيول التي نشأت في بيئة صحراوية قاسية أصبحت اليوم عنصرًا حاضرًا في الخطاب السياسي والثقافي والدبلوماسي للدولة.
وبينما ينظر إليها المربون بوصفها إرثًا تاريخيًا يستحق الحماية، ترى السلطات فيها وسيلة لإبراز خصوصية تركمانستان وتعزيز حضورها الدولي. وهكذا تحولت سلالة عمرها قرون من مجرد خيل اشتهرت بالسرعة والتحمل إلى أحد أكثر الرموز الوطنية حضورًا في آسيا الوسطى.
لماذا يهم هذا الملف؟
تعكس تجربة تركمانستان اتجاهاً متناميًا لدى بعض الدول نحو توظيف التراث الثقافي والحيواني في بناء الهوية الوطنية وتعزيز القوة الناعمة. كما تبرز الدور الذي يمكن أن تؤديه الخيول، ليس فقط في الرياضة والاقتصاد، بل أيضًا في السياسة والدبلوماسية وصناعة الصورة الذهنية للدول.
وفي حالة أخال تيكي، تبدو العلاقة بين الحصان والدولة أعمق من مجرد علاقة تراثية؛ إذ أصبحت السلالة جزءًا من السردية الوطنية الرسمية التي تسعى عشق آباد إلى تقديمها للعالم.
المصادر:
فرانس 24.
وكالة الصحافة الفرنسية (AFP).
مضمار باريس-فانسين يراهن على الترفيه الشامل لجذب جمهور جديد إلى سباقات الخيل
كأسان يسدلان الستار على موسم الهجن في الكويت وسط تأكيد متجدد على مكانة الرياضة التراثية
عبدالرحمن بن عبدالله وتفاصيل رحلته مع الخيل وصولاً إلى مربط الرحمانية
حصان آلي صيني يثير الاهتمام.. روبوت يحاكي حركة الخيول بدقة متزايدة
ارتفاع أعداد الخيول البرية يعيد الجدل البيئي إلى جبال الألب الأسترالية






Leave a Reply