ميسان تصحّح صورة سوق الخيل العربي: 70 مليون دينار سقفٌ معلن والأسعار الخيالية تثير جدلًا

ميسان تصحّح صورة سوق الخيل العربي
ميسان تصحّح صورة سوق الخيل العربي

أعادت تصريحات صادرة عن المنظمة العراقية للخيول العربية النقاش حول القيمة الحقيقية للخيول العربية الأصيلة في العراق. بعدما انتشرت خلال الأيام الماضية أرقام ضخمة قيل إنها تمثل أسعار عدد من الخيول التي جرى ضبطها لدى أحد السياسيين العراقيين.

وفي محاولة لوضع حد للتقديرات المتداولة، قال رضا صبر، عضو المنظمة العراقية للخيول العربية ومسؤول أكاديمية الخيول في ميسان، إن سعر الحصان العربي الأصيل ذي الدماء النقية لا يتجاوز، وفق المعايير والمحددات التي تعتمدها المنظمة، 70 مليون دينار عراقي للرأس الواحد.

وتأتي هذه التصريحات في وقت أثارت فيه أرقام وصلت إلى مليارات الدنانير اهتمامًا واسعًا على منصات التواصل ووسائل إعلام عراقية. الأمر الذي دفع العاملين في قطاع تربية الخيل إلى المطالبة بالعودة إلى الجهات المتخصصة عند تقدير قيمة الخيول، بدل الاعتماد على أرقام غير موثقة أو تقديرات متداولة عبر وسائل التواصل.

من أين جاءت أرقام المليارات؟

الجدل الحالي لا يتعلق فقط بسعر حصان بعينه، بل بطريقة تقييم الخيل العربي في السوق العراقية.

الخيول العربية في العراق
الخيول العربية في العراق

فالمنظمة العراقية للخيول العربية تقول إن الحديث عن أسعار بمليارات الدنانير يحتاج إلى تدقيق في الأساس الذي بنيت عليه تلك التقديرات. فامتلاك حصان عربي أصيل لا يعني تلقائيًا أن قيمته تصل إلى أرقام استثنائية. إذ تختلف القيمة التجارية باختلاف النسب، والتوثيق، والعمر، والجنس، والصفات الشكلية، والسجل التناسلي أو الرياضي، إلى جانب سمعة السلالة والجهة التي تولت تربيته.

وقال صبر إن الضجة الإعلامية المرتبطة بالخيول المضبوطة ألحقت ضررًا بمربي الخيول والمؤسسات العاملة في هذا المجال. معتبرًا أن الخلط بين قيمة الخيل الفعلية والأرقام المتداولة يسيء إلى سوق تربية الخيول العربية في العراق.

السلالة وحدها لا تحدد السعر

كيف تقاس قيمة الخيل العربي الأصيل
كيف تقاس قيمة الخيل العربي الأصيل

في الأسواق المتخصصة عالميًا، لا تُقاس قيمة الخيل العربي الأصيل بمجرد وصفه بأنه “أصيل”. فالنسب الموثق يمثل نقطة البداية، لكنه ليس العامل الوحيد.

حيث تدخل في التقييم عناصر أخرى، بينها جودة النسب، ووجود سجلات رسمية، والنتائج التي حققها الحصان أو أقاربه في مسابقات الجمال أو الرياضات الفروسية. وأيضاّ القيمة الوراثية للحصان كفحل أو فرس إنتاج، إضافة إلى الحالة الصحية والعمر والتدريب.

وهذا يفسر لماذا يمكن أن تتفاوت أسعار الخيول العربية بصورة كبيرة حتى بين خيول تنتمي إلى السلالة نفسها. كما أن السعر الذي يطلبه مالك ما ليس بالضرورة السعر الذي يدفعه المشتري فعلًا في صفقة مكتملة.

لذلك فإن الحديث عن “سعر الحصان العربي” باعتباره رقمًا واحدًا قد يكون مضللًا، ما لم تحدد مواصفات الحصان والسلالة والوثائق والغرض من الشراء.

ميسان وموروث الخيل العربي

لا يأتي الجدل في ميسان بمعزل عن حضور الخيل في المحافظة. فقد شهدت المنطقة خلال العام الحالي نشاطًا متزايدًا في مجال الخيول العربية. من بينها إقامة مسابقة لجمال الخيول العربية الأصيلة في مدينة الطيب الأثرية شرقي ميسان.

وتزامن ذلك مع أعمال إنشاء أول مضمار لسباقات الخيل في المنطقة، في إطار توجه محلي لربط الفروسية بالسياحة والرياضة وإعادة إحياء تربية الخيول في منطقة ترتبط تاريخيًا بهذا الموروث.

وبالتالي يمنح هذا التطور قضية الأسعار أهمية إضافية. فالسوق التي تحاول بناء قاعدة أكثر تنظيمًا تحتاج إلى معايير واضحة للتسجيل والتقييم، خصوصًا إذا كانت تستهدف تطوير التربية وإقامة مسابقات يمكن أن تستقطب ملاكًا ومربين من خارج المحافظة.

التوثيق هو الحلقة الأهم

الخيل العربية تعشق الانطلاق في المساحات الواسعة
الخيل العربية تعشق الانطلاق في المساحات الواسعة

تكشف قضية الأسعار أيضًا عن أهمية بناء سجل واضح للخيول العربية في العراق.

وتعتمد صناعة الخيل الحديثة على التوثيق الدقيق للهوية والنسب والحالة الصحية والتنقلات. وتضع المنظمة العالمية لصحة الحيوان معايير متقدمة للخيول ذات الوضع الصحي المرتفع، تشمل وجود معرف دائم للحصان، مثل الشريحة الإلكترونية، وجواز فردي يتضمن بياناته، وتسجيل المعلومات في قواعد بيانات يمكن للسلطات البيطرية الرجوع إليها.

ولا يقتصر أثر هذا التوثيق على حماية الملكية أو إثبات النسب، بل يساعد أيضًا في بناء سوق أكثر شفافية، لأن المشتري يستطيع تقييم الحيوان استنادًا إلى معلومات يمكن التحقق منها بدل الاعتماد على روايات المالك أو التقديرات المتداولة.

بين القيمة التراثية والقيمة التجارية

يمتلك الحصان العربي مكانة تتجاوز قيمته كسِلعة. فهو جزء من تاريخ المنطقة وثقافة الفروسية العربية، لكن تحويل هذه القيمة التراثية إلى قيمة مالية يتطلب قواعد أكثر دقة.

ومن هنا تبدو مطالبة المنظمة العراقية للخيول العربية باستقاء المعلومات من الجهات المتخصصة مهمة بالنسبة إلى السوق نفسها. فالمبالغة في الأسعار قد تبدو للوهلة الأولى خبرًا جذابًا، لكنها يمكن أن تؤدي في المقابل إلى تشويه صورة القطاع، ورفع توقعات البائعين بصورة غير واقعية، وإرباك المشترين، وإضعاف الثقة في السوق.

وفي المقابل، فإن وضع سقف معلن لا يعني أن جميع الخيول العربية ستباع بهذا السعر، بل يعني أن الرقم المطروح يمثل، بحسب التصريح الصادر عن المنظمة، الحد الأعلى الذي ينبغي مقارنته بالمواصفات الفعلية للحصان قبل إطلاق أي تقدير.

السوق بحاجة إلى معيار لا إلى شائعة

تضع قضية ميسان قطاع الخيل العراقي أمام سؤال أكبر من مجرد تحديد سعر حصان: كيف يمكن بناء سوق موثوقة للخيول العربية الأصيلة؟

الإجابة تبدأ من التسجيل الرسمي، وتوثيق الأنساب، وتوحيد معايير التقييم، والاستعانة بخبراء مختصين، ونشر نتائج المزادات والصفقات الفعلية عندما يكون ذلك ممكنًا.

ومع توسع مسابقات جمال الخيل وإنشاء مرافق جديدة للفروسية في ميسان، تصبح الحاجة إلى هذه المعايير أكثر إلحاحًا. فالانتقال من تربية الخيل كهواية وموروث اجتماعي إلى قطاع رياضي واقتصادي أكثر تنظيمًا يحتاج إلى بيانات يمكن التحقق منها، وليس إلى أرقام تنتشر بسرعة على مواقع التواصل.

وفي هذا السياق، فإن تصريح المنظمة العراقية للخيول العربية بشأن سقف الـ70 مليون دينار لا ينهي الجدل حول قيمة الخيول، لكنه يعيد النقاش إلى نقطة أكثر أهمية: قيمة الحصان يجب أن تحددها مواصفاته ووثائقه وسوقه الفعلية، لا الرقم الأكثر إثارة الذي ينتشر على الإنترنت.

ضبط آليات التسعير

كما أن ضبط آليات التسعير لا يخدم المشترين والبائعين فقط، بل يمكن أن يسهم في حماية سمعة الخيل العربي العراقي على المستوى الإقليمي. فكلما ارتبطت قيمة الحصان ببيانات دقيقة وشهادات نسب موثقة وسجل واضح للإنجازات، أصبح من الأسهل تسويق الخيول العراقية في المزادات والمسابقات الخارجية، وجذب مستثمرين ومربين مهتمين بالسلالات العربية.

 

ويُعد وجود قاعدة بيانات موحدة تضم أعداد الخيول المسجلة، وأنسابها، وأعمارها، ونتائج مشاركاتها، من الأدوات التي يمكن أن تساعد مستقبلًا في رصد حركة السوق وتحديد مؤشرات أكثر واقعية للأسعار. كما أن تنظيم المزادات الرسمية والإعلان عن نتائج البيع الفعلية قد يوفر مرجعًا عمليًا للمربين، ويحد من الفجوة بين الأسعار المتداولة والقيم الحقيقية للخيول.

 

وبذلك لا يصبح النقاش حول الـ70 مليون دينار مجرد خلاف على رقم، بل فرصة لإعادة تنظيم سوق الخيول العربية في العراق على أسس مهنية أكثر وضوحًا، بما يحفظ قيمة هذا الموروث ويمنح المربين والمشترين ثقة أكبر في التعا

المصادر:

صحيفة المربد:

al-mirbad.com

وكالة دقيقة الإخبارية

woah.org.

الحصان الذي حيّر العالم والعلماء .. كيف يجيب على أسئلة الحساب؟

أشهر الثنائيات في عالم الفروسية.. عندما يصنع الفارس والحصان التاريخ معاً

حين دخلت الخيول الملعب.. ديربي مانهايم يتحول إلى أزمة أمنية

خيول تعبر البياض.. ركوب الخيل يضيف تجربة جديدة إلى مشهد بحيرة الملح التركية

الرابط المختصر :