لم تعد رياضة الهجن في السعودية نشاطًا تراثيًا محدودًا بمواسم السباقات، بل تحولت تدريجيًا إلى منظومة رياضية واقتصادية وثقافية واسعة.
ويقود الاتحاد السعودي للهجن هذا التحول عبر تنظيم المنافسات، وتطوير الميادين، وتوسيع قاعدة المشاركين، ورفع مستوى الاحتراف، وربط الموروث المحلي بصناعة رياضية قادرة على جذب الاستثمار والمشاركة الدولية.
ويأتي تأسيس الاتحاد في فبراير 2018 نقطة تحول رئيسية في هذا المسار. فمنذ ذلك الوقت توسعت روزنامة السباقات، وارتفعت قيمة الجوائز، وتزايد عدد الميادين والمشاركين. فيما أصبحت مهرجانات كبرى، وفي مقدمتها مهرجان ولي العهد للهجن، أحداثًا تتجاوز السباق إلى السياحة والخدمات والاستثمار.
اتحاد يتجاوز تنظيم السباقات
تأسس الاتحاد السعودي للهجن في 9 فبراير 2018 برئاسة الأمير فهد بن جلوي بن عبدالعزيز بن مساعد، ليكون الجهة المعنية بتنظيم ورعاية سباقات الهجن في المملكة.
ولا يقتصر دوره على إعداد جداول المنافسات، بل يشمل وضع اللوائح، وتنظيم المشاركين، وتطوير الميادين، وتوثيق الملكية، واستخدام التقنيات الحديثة في تسجيل المطايا وإدارة السباقات.
كذلك يستهدف الاتحاد المحافظة على الموروث، والارتقاء برياضة الهجن إلى معايير عالمية، والمساهمة في تطوير الاقتصاد السعودي بما يتوافق مع مستهدفات رؤية السعودية 2030.
حيث أن هذا التحول التنظيمي مهم؛ لأن نمو أي رياضة يحتاج إلى قواعد واضحة، وآليات دقيقة لحماية حقوق المشاركين، وبيئة قادرة على جذب الاستثمارات واستيعاب المنافسات الكبرى.
شبكة ميادين وروزنامة متنامية
يعكس الانتشار الجغرافي حجم التطور الذي شهدته الرياضة. وتشير بيانات موسم 2025-2026 إلى وجود أكثر من 24 ميدانًا للهجن في مناطق ومحافظات مختلفة، إلى جانب إقامة بطولات ومهرجانات على مدار الموسم.
كما تجاوزت قيمة الجوائز في عشر بطولات خلال الموسم 250 مليون ريال، مع إقامة أكثر من 1500 شوط.

ولا تعني هذه الأرقام زيادة عدد السباقات فحسب، بل تشير إلى نشوء نشاط اقتصادي مستمر حولها. فالمنافسات تحتاج إلى مدربين ومضمرين، ورعاية بيطرية، ونقل وتجهيز، وخدمات لوجستية، إلى جانب أسواق بيع وشراء المطايا.
كما يمنح انتشار الميادين الملاك في المناطق المختلفة فرصة أكبر للمشاركة، ويخلق نشاطًا اقتصاديًا محليًا في المدن المستضيفة.
مهرجان ولي العهد نموذج للتحول
يمثل مهرجان ولي العهد للهجن في الطائف أبرز نموذج لهذا التوسع. ومنذ انطلاق نسخته الأولى عام 2018، تطور المهرجان ليصبح من أكبر الأحداث المتخصصة في سباقات الهجن.
وقد دخلت النسخة الأولى موسوعة غينيس للأرقام القياسية بعد مشاركة أكثر من 11 ألف مطية. فيما تتضمن النسخة الثامنة المقامة في سبتمبر 2026 نحو 248 شوطًا، وتتجاوز جوائزها 50 مليون ريال.
ولا يقتصر الأثر الاقتصادي للمهرجان على قيمة الجوائز. فوجود آلاف المشاركين والزوار يرفع الطلب على الإقامة والنقل والمطاعم والخدمات التجارية. كما يمنح المدينة المستضيفة فرصة للاستفادة من الحدث في تنشيط الحركة السياحية.
سوق تتجاوز السباق
تكشف قيمة المطايا عن جانب آخر من اقتصاد الهجن. ففي ختام مهرجان ولي العهد 2025، اقتربت القيمة السوقية للمطايا المشاركة في الأشواط النهائية لفئتي “الحيل والزمول” من ربع مليار ريال، وفق بيانات رسمية.
حيث تحمل المطية الناجحة قيمة تتجاوز مشاركتها في السباق، إذ ترتبط قيمتها بسجلها الرياضي وسلالتها وقدرتها التنافسية وإمكاناتها الإنتاجية.
ويخلق ذلك سوقًا متخصصة تشمل التربية والتدريب والرعاية البيطرية والنقل والمزادات والخدمات المرتبطة بالهجن.
ومع ارتفاع قيمة المطايا، تزداد أهمية الحوكمة والتنظيم، خصوصًا في ما يتعلق بتوثيق الملكية والنتائج وضمان عدالة المنافسة وحماية حقوق الملاك.
“إنتاج السعودية” وبناء قاعدة محلية
يمثل التركيز على الإنتاج المحلي أحد الاتجاهات المهمة في تطوير القطاع.
وفي النسخة الثامنة من مهرجان ولي العهد، تجاوز عدد المطايا المشاركة في الأشواط المخصصة لـ”إنتاج السعودية” 1600 مطية في فئتي “الحقايق” و”اللقايا”.
ويحمل هذا المسار أهمية اقتصادية؛ لأن نمو الإنتاج المحلي يسمح ببقاء جزء أكبر من القيمة داخل السوق السعودية، ويشجع المربين على الاستثمار في تحسين السلالات وبرامج التربية.
كما أن تخصيص منافسات للإنتاج المحلي يمنح المربين حافزًا لرفع جودة الإنتاج، ويحول التربية من ممارسة تقليدية إلى نشاط أكثر تنظيمًا وارتباطًا بالسوق الرياضية.
المزاين توسع قاعدة المشاركة
أضاف الاتحاد السعودي للهجن منافسات “المزاين” للمرة الأولى في تاريخ مهرجان ولي العهد ضمن نسخته الثامنة.
وتشير هذه الخطوة إلى توسع مفهوم الفعاليات المرتبطة بالإبل، بحيث لا تقتصر على سباقات السرعة، بل تشمل جوانب أخرى من الموروث.
كما يمكن للمزاين أن تستقطب ملاكًا ومربين لا تتركز مشاركتهم في السباقات، ما يوسع قاعدة المشاركين والجمهور، ويضيف فعاليات جديدة إلى المهرجانات.
ومن الناحية الاقتصادية، يساعد تنوع الأنشطة على زيادة مدة بقاء الزوار ورفع النشاط التجاري المصاحب للحدث.
السياحة تدخل في المعادلة
تملك رياضة الهجن ميزة إضافية تتمثل في ارتباطها بمناطق سعودية ذات مقومات سياحية وثقافية مختلفة.
وتبرز الطائف في هذا السياق، إذ يحول مهرجان ولي العهد الميدان إلى نقطة جذب خلال فترة انعقاده، ويزيد حركة المشاركين والزوار في المدينة.
لكن الاستفادة السياحية لا ترتبط بعدد الحضور فقط. فالأثر الأكبر يتحقق عندما ترتبط الفعاليات الرياضية بالمواقع السياحية والخدمات والأنشطة التجارية المحلية، لتتحول زيارة السباق إلى تجربة أوسع.
وهنا تصبح الهجن جزءًا من الاقتصاد السياحي، بدل أن تبقى نشاطًا رياضيًا منفصلًا عنه.
حضور دولي متزايد
امتد التطور إلى المستوى الدولي. ففي سبتمبر 2018 شهدت السعودية اجتماعًا لاتحادات الهجن أسفر عن تأسيس اتحاد دولي للهجن مقره الرياض، بمشاركة اتحادات من دول عربية وآسيوية وأفريقية وأوروبية.
ويعزز ذلك موقع السعودية في تطوير هذه الرياضة دوليًا، خصوصًا مع استضافتها عددًا متزايدًا من البطولات الكبرى.
لكن الحضور الدولي يفرض في المقابل متطلبات إضافية، من بينها توحيد اللوائح، وتطوير التحكيم، وتحسين أنظمة التسجيل والرقابة، بما يرفع مستوى المنافسة ويعزز الثقة في البطولات.
التحدي: صناعة مستدامة
رغم النمو الكبير في الجوائز والمنافسات والمشاركة، فإن المرحلة المقبلة لا تتعلق فقط بزيادة حجم السباقات.
التحدي الحقيقي يتمثل في تحويل النمو إلى صناعة مستدامة تعتمد على البيانات، وتطوير السلالات، والطب البيطري، والتقنيات الرقمية، وتدريب الكوادر، وتحسين تجربة الجمهور، وتوسيع دور القطاع الخاص.
كما أن ارتفاع قيمة المطايا والجوائز يجعل الحوكمة والشفافية أكثر أهمية. فكلما زادت القيمة الاقتصادية للرياضة، أصبحت الحاجة أكبر إلى أنظمة دقيقة تحمي الملكية وتضمن عدالة المنافسة.
ومن المفيد أيضًا أن ينتقل قياس نجاح القطاع من قيمة الجوائز وحدها إلى قياس الأثر الاقتصادي الأوسع، مثل الوظائف والاستثمارات والخدمات والمبيعات والسياحة ونمو الإنتاج المحلي.
منظومة تتشكل تدريجيًا
خلال ثماني سنوات، انتقلت الهجن السعودية من منافسات منظمة بصورة محدودة إلى منظومة رياضية أكثر اتساعًا، تقودها جهة اتحادية متخصصة وتدعمها شبكة من الميادين والبطولات والمهرجانات.
ويظهر مهرجان ولي العهد هذا التحول بوضوح من خلال حجم المشاركة، وقيمة الجوائز، وتنوع المنافسات، وإدخال “إنتاج السعودية” و”المزاين”، إلى جانب استقطاب ملاك من داخل المملكة وخارجها.
لكن الأرقام لا تعني اكتمال التجربة. فالمعيار الأهم في المرحلة المقبلة سيكون قدرة القطاع على إنتاج قيمة اقتصادية مستدامة، وتطوير الإنتاج المحلي، ورفع الاحتراف، وتوسيع المشاركة الدولية، مع الحفاظ على البعد الثقافي الذي منح الهجن مكانتها التاريخية.
وبذلك، لا تقتصر التجربة السعودية على تحديث رياضة تراثية، بل تتجه إلى بناء صناعة رياضية حول موروث محلي. ويظل نجاح هذا النموذج مرتبطًا بقدرته على الجمع بين الرياضة والاقتصاد والسياحة والثقافة ضمن منظومة واحدة قابلة للنمو على المدى الطويل.
المصادر:
جريدة الجزيرة.
الاتحاد السعودي للهجن.
وكالة الأنباء السعودية “واس”.
صحيفة الرياض.
صحيفة الاقتصادية.
صحيفة المدينة.
صحيفة مكة.







Leave a Reply