مهرجان «تشاغو تشاغو أوماكو» في اليابان: موكب الخيول يعيد إحياء الذاكرة

مهرجان «تشاغو تشاغو أوماكو» في اليابان
مهرجان «تشاغو تشاغو أوماكو» في اليابان

شهدت محافظة إيواتيه في شمال شرق اليابان تنظيم مهرجان «تشاغو تشاغو أوماكو» السنوي. حيث شارك نحو 70 حصاناً مزيناً بألوان زاهية وأجراس تقليدية في موكب احتفالي يمتد لمسافة طويلة عبر الريف الياباني.

ويعد هذا الحدث واحداً من أبرز الطقوس التراثية التي تعلن بداية فصل الصيف، وتربط بين الحياة الزراعية القديمة والتحولات الحديثة في المجتمع الياباني.

المهرجان لا يقتصر على كونه عرضاً فولكلورياً، بل يمثل سرداً حيّاً لعلاقة تاريخية بين الإنسان والحصان في اليابان الريفية. حيث لعبت الخيول دوراً مركزياً في الزراعة والنقل قبل أن تحل محلها الآلات الحديثة.

مسار الموكب: من تاكيزاوا إلى موريوكا

انطلقت الخيول من معبد في مدينة تاكيزاوا الشنتوي، متجهة إلى معبد موريوكا هاتشيمانغو في مدينة موريوكا، في مسار يبلغ نحو 14 كيلومتراً. وقد مرّ الموكب عبر حقول الأرز الخضراء التي تشكّل جزءاً أساسياً من هوية إيواتيه الزراعية.

 

ارتدت الخيول سروجاً تقليدية مزخرفة، وزُينت بأقمشة ملونة وأجراس نحاسية صغيرة تصدر صوتاً متواصلاً أثناء الحركة. هذا الصوت، المعروف محلياً، هو ما ألهم اسم المهرجان «تشاغو تشاغو»، في إشارة إلى الرنين الإيقاعي للأجراس.

كما شارك في الموكب أطفال ركبوا على ظهور بعض الخيول، في مشهد يعكس انتقال التقاليد من جيل إلى آخر. وكذلك اصطف السكان والزوار على جانبي الطريق، في تفاعل جماهيري يعكس مكانة الحدث في الوعي المحلي.

الجذور التاريخية: من العمل الزراعي إلى الطقس الاحتفالي

زينت الخيول بأقمشة ملونة وأجراس نحاسية صغيرة تصدر صوتاً متواصلاً أثناء الحركة.
زينت الخيول بأقمشة ملونة وأجراس نحاسية صغيرة تصدر صوتاً متواصلاً أثناء الحركة.

يرتبط مهرجان «تشاغو تشاغو أوماكو» بتاريخ طويل من الاعتماد على الخيول في الحياة الزراعية اليابانية. ففي المناطق الريفية، كانت الخيول وسيلة أساسية للحراثة ونقل المحاصيل والعمل في الحقول الجبلية الوعرة.

ومع انتهاء موسم زراعة الأرز، كان المزارعون يقودون خيولهم إلى المعابد لتقديم الشكر والدعاء لها بالصحة والقوة، تقديراً لدورها الحيوي في دورة الإنتاج الزراعي. ومع مرور الزمن، تطور هذا السلوك العملي إلى طقس جماعي منتظم، ثم إلى مهرجان ثقافي رسمي.

ويعتقد أن اسم المهرجان جاء من صوت الأجراس المعلقة حول أعناق الخيول. حيث يشبه الرنين المتكرر كلمة «تشاغو تشاغو» في اللغة اليابانية، وهو ما منح الحدث هويته السمعية المميزة.

البعد الثقافي: علاقة الإنسان بالحيوان

يمثل المهرجان نموذجاً واضحاً لطريقة المجتمع الياباني في التعامل مع عناصر الطبيعة، بما فيها الحيوانات، باعتبارها جزءاً من منظومة الحياة وليس مجرد أدوات إنتاج.

فالخيول، التي كانت في الماضي قوة العمل الأساسية في الريف، تحولت اليوم إلى رمز ثقافي يعكس الوفاء والتعاون بين الإنسان والطبيعة. هذا التحول يعكس أيضاً قدرة الثقافة اليابانية على إعادة تعريف عناصرها التقليدية ضمن سياق حديث دون فقدان معناها الأصلي.

اسم المهرجان جاء من صوت الأجراس المعلقة حول أعناق الخيول.
اسم المهرجان جاء من صوت الأجراس المعلقة حول أعناق الخيول.

ويبرز في هذا السياق حضور الأطفال على ظهور الخيول كرمز للاستمرارية الثقافية. حيث يتم نقل التجربة مباشرة إلى الأجيال الجديدة، لا عبر الكتب أو المتاحف فقط، بل عبر المشاركة الفعلية في الطقس نفسه.

المهرجان كمساحة اجتماعية وسياحية

إلى جانب قيمته الثقافية، أصبح مهرجان «تشاغو تشاغو أوماكو» حدثاً سياحياً مهماً في إيواتيه. فهو يجذب آلاف الزوار سنوياً من داخل اليابان وخارجها، ما ينعكس على النشاط الاقتصادي المحلي، خصوصاً في مجالات الضيافة والحرف التقليدية.

وتستفيد المجتمعات المحلية من هذا الاهتمام في تعزيز حضورها الثقافي، في وقت تواجه فيه المناطق الريفية اليابانية تحديات تتعلق بتراجع عدد السكان وشيخوخة المجتمع.

كما يمثل المهرجان فرصة لإعادة ربط المدن اليابانية الكبرى بريفها، من خلال تجربة حسية مباشرة تجمع بين الصوت والحركة والمنظر الطبيعي. وذلك في بيئة تختلف جذرياً عن الحياة الحضرية السريعة.

رمزية الاستمرارية في مجتمع متغير

ارتدت الخيول سروجاً تقليدية مزخرفة
ارتدت الخيول سروجاً تقليدية مزخرفة

في ظل التحولات الاقتصادية والتكنولوجية التي شهدتها اليابان خلال العقود الأخيرة، تراجع الدور العملي للخيول بشكل كبير. ومع ذلك، بقي حضورها الرمزي قوياً في الذاكرة الجماعية.

ويظهر استمرار هذا المهرجان كيف يمكن للتقاليد أن تتكيف مع الحداثة دون أن تفقد جذورها. فبينما لم تعد الخيول ضرورية للإنتاج الزراعي. بل أصبحت جزءاً من الهوية الثقافية والاحتفال الموسمي، ووسيلة للتعبير عن الامتنان للتاريخ الريفي.

صوت الأجراس كذاكرة حيّة

مع انتهاء الموكب ووصول الخيول إلى معبد موريوكا هاتشيمانغو، يتجدد الشعور بأن هذا الحدث ليس مجرد احتفال موسمي، بل هو إعادة إحياء لذاكرة جماعية تمتد عبر أجيال.

صوت الأجراس الذي يرافق الخيول يظل العنصر الأكثر حضوراً في المهرجان. إذ يجمع بين الماضي والحاضر في إيقاع واحد، ويذكّر بأن العلاقة بين الإنسان والطبيعة ما زالت جزءاً أساسياً من الهوية الثقافية اليابانية.

في كل عام، يعود «تشاغو تشاغو أوماكو» ليؤكد أن بعض التقاليد لا تحفظ في المتاحف فقط، بل تسير على الأقدام، وتصدر صوتها بين الحقول، وتواصل رواية قصتها جيلاً بعد جيل.

المصدر:

NHK World.

علي الخرافي يتأهل إلى بطولة العالم للفروسية في آخن

اليوم افتتاح رويال أسكوت 2026.. وثمانية خيول تتصدر المشهد في افتتاح أشهر مهرجانات السباقات

فرسان الماريما في إيطاليا.. مهنة تاريخية تتكيف مع العصر وتحافظ على هوية الريف

الإمارات تعزز كوادر تحكيم جمال الخيل العربية باختتام برنامج تأهيل الحكام الوطنيين

شراكة بين هيئة الفروسية وجامعة الملك فيصل لتعزيز البحث البيطري وصحة الخيل في السعودية

 

الرابط المختصر :