هل يمكن أن تختفي سلالة خيول وهي ما تزال موجودة؟

هل يمكن أن تختفي سلالة خيول وهي ما تزال موجودة؟
هل يمكن أن تختفي سلالة خيول وهي ما تزال موجودة؟

قد تبقى سلالة من الخيول حاضرة في الإسطبلات وسجلات الأنساب، وتواصل إنتاج أجيال جديدة، لكنها تفقد تدريجياً جزءاً من تنوعها الوراثي. ويحدث ذلك عندما تتراجع مساهمة بعض الخطوط الوراثية، أو يعتمد المربون على عدد محدود من الفحول في التناسل. ومع مرور الأجيال، قد تصبح السلالة أكثر عرضة لبعض المشكلات الصحية، وتفقد جزءاً من الخيارات الوراثية التي تساعدها على الاستمرار.

وتطرح هذه الظاهرة تحدياً أمام مربي الخيول والباحثين في علم الوراثة. فالحفاظ على السلالة لا يعني زيادة أعدادها فحسب، بل يتطلب أيضاً المحافظة على تنوعها الجيني، وتجنب تضييق قاعدة التناسل، وضمان انتقال إرثها الوراثي إلى الأجيال المقبلة.

عندما تبقى السلالة ويفقد التنوع

أغلى 5 سلالات خيل في العالم
أغلى 5 سلالات خيل في العالم

يحافظ المربون على سلالات الخيول من خلال اختيار الأفراد الذين يرون أنهم يمتلكون أفضل الصفات. وقد تشمل هذه الصفات السرعة، أو القدرة على التحمل، أو بنية الجسم، أو الحركة، أو خصائص محددة في المظهر.

لكن تكرار استخدام الفحول نفسها، خصوصاً إذا كانت تنحدر من أنساب متقاربة، قد يؤدي إلى زيادة القرابة بين أفراد الأجيال الجديدة. ومع الوقت، تتراجع مساهمة بعض الخطوط الوراثية، حتى لو استمر عدد الخيول المسجلة في الارتفاع.

ويعرف الباحثون هذا التأثير، في إحدى صوره، بتأثير الفحل الشائع. ويحدث عندما يترك فحل واحد عدداً كبيراً من الأبناء والأحفاد، فتزداد مساهمته في التركيب الوراثي للسلالة مقارنة بغيره.

ولا يعني ذلك أن استخدام الفحول المتميزة خطأ في حد ذاته. لكن الاعتماد المفرط عليها، من دون إدارة وراثية متوازنة، قد يقلل التنوع ويزيد مخاطر التزاوج بين الأقارب.

سورايا.. سلالة نادرة تواجه تحدياً وراثياً

تقدم سلالة سورايا (Sorraia) البرتغالية مثالاً واضحاً على العلاقة بين محدودية الأعداد وفقدان التنوع الوراثي.

وتعد هذه السلالة من الخيول النادرة، وقد تناولتها دراسات علمية حللت سجلات أنسابها وبنيتها الوراثية. وأظهرت النتائج انخفاضاً في التنوع، ارتبط بمحدودية عدد الأسلاف المؤسسين للسلالة، وعدم التوازن في مساهمة الخيول المستخدمة في التناسل.

وقد خلصت دراسة منشورة في مجلة Livestock Science عام 2013 إلى أن عدداً محدوداً من الأسلاف أسهم في تشكيل جزء كبير من التركيب الوراثي للمجموعة التي تناولها البحث. كما رصدت الدراسة مستويات مرتفعة من زواج الأقارب، مع مؤشرات إلى تحسن بعض المعايير في السنوات التي سبقت الدراسة بفضل إجراءات الحفظ التي اتبعتها جمعية المربين.

وتوضح هذه الحالة أن إنقاذ السلالة لا يقتصر على زيادة المواليد. بل يتطلب إدارة دقيقة لعمليات التزاوج، والحفاظ على الخطوط الوراثية الأقل تمثيلاً، ومراقبة التغيرات عبر الأجيال.

كليفلاند باي.. حين تضيق شجرة النسب

تواجه سلالة كليفلاند باي (Cleveland Bay) البريطانية تحدياً مشابهاً. وهي من السلالات التاريخية في المملكة المتحدة، وتتميز بارتباطها الطويل بأعمال الجر والعربات، قبل أن تتوسع استخداماتها في مجالات أخرى.

حيث تناولت دراسة منشورة في مجلة PLOS ONE عام 2020 تاريخها الوراثي باستخدام بيانات الأنساب والتحاليل الجزيئية. وأظهرت النتائج فقدان نسبة كبيرة من الخطوط الأبوية والأمومية المسجلة في تاريخ السلالة، مع اعتماد جزء مهم من التركيب الوراثي للخيول الحية التي شملتها الدراسة على عدد قليل من الأسلاف.

كما أشار البحث إلى أن السلالة كانت مدرجة ضمن الفئات الحرجة في قائمة مراقبة السلالات النادرة البريطانية التي استندت إليها الدراسة.

وتكمن أهمية هذا المثال في أن سجل النسب قد يبدو غنياً بالأسماء، بينما تكشف التحاليل أن عدداً محدوداً من الخيول أسهم فعلياً في تشكيل معظم التركيب الوراثي للأجيال الحالية.

الثوروبريد.. المشكلة لا تقتصر على الخيول النادرة

لا تقتصر مخاطر تراجع التنوع الوراثي على السلالات الصغيرة أو المهددة بالانقراض. فخيول الثوروبريد (Thoroughbred)، المعروفة بارتباطها بسباقات السرعة، تقدم مثالاً مختلفاً.

فقد حللت دراسة منشورة في مجلة Scientific Reports عام 2020 البيانات الجينومية لـ10,118 حصاناً، إلى جانب معلومات عن فحول مؤثرة في مناطق رئيسية لتربية خيول السباق. ووجد الباحثون تراجعاً كبيراً في التنوع الوراثي العالمي للسلالة خلال العقود الخمسة التي تناولها التحليل.

ورجح الباحثون أن يكون الاستخدام المكثف لعدد محدود من الفحول ذات القيمة التناسلية والتجارية المرتفعة أحد العوامل التي أسهمت في هذا التراجع.

ولا يعني ذلك أن الثوروبريد سلالة مهددة بالانقراض بسبب هذه الظاهرة؛ فهي واسعة الانتشار عالمياً. لكنه مثال مهم على أن الانتقاء المكثف وتكرار استخدام أنساب محددة قد يؤثران في التنوع الوراثي حتى عندما تكون أعداد الخيول كبيرة.

وتكشف هذه الحالة عن مفارقة في تربية خيول السباق: قد تحقق بعض الأنساب نجاحاً رياضياً وتجارياً، فيزداد الطلب عليها، لكن انتشارها الواسع قد يقلل تمثيل خطوط وراثية أخرى.

ما الذي يخسره المربون عندما يتراجع التنوع؟

يمثل التنوع الوراثي مخزوناً من الاختلافات الجينية التي يمكن أن تساعد السلالات على الاستمرار ومواجهة التحديات المستقبلية. وعندما تضيق هذه القاعدة، قد ترتفع احتمالات ظهور بعض الأمراض الوراثية، أو تتراجع القدرة على تجنب آثار التزاوج بين الأقارب.

لكن العلاقة ليست واحدة في جميع السلالات. فالمخاطر تعتمد على طبيعة الجينات الموجودة، وحجم المجموعة الفعلي، ودرجة القرابة، وتاريخ الانتقاء، وطرق إدارة التناسل.

كذلك، لا يكفي لون الفراء أو شكل الرأس أو الأداء في المنافسات للحكم على سلامة التركيب الوراثي. فقد يحتفظ الحصان بصفات السلالة المعروفة، بينما تظهر في سجله الجيني مؤشرات على محدودية التنوع.

ولهذا، يعتمد الباحثون على مجموعة من الأدوات، تشمل تحليل الحمض النووي، ودراسة الأنساب، وقياس القرابة، ومتابعة أعداد الخيول المستخدمة في التناسل. ويساعد الجمع بين هذه المعلومات في تحديد الخطوط التي تحتاج إلى حماية أكبر.

كيف يمكن حماية السلالات من فقدان إرثها؟

يمثل التنوع الوراثي مخزوناً من الاختلافات الجينية التي يمكن أن تساعد السلالات على الاستمرار
يمثل التنوع الوراثي مخزوناً من الاختلافات الجينية التي يمكن أن تساعد السلالات على الاستمرار

تبدأ الحماية بإدارة التناسل بطريقة تضمن مساهمة عدد أوسع من الخيول في الأجيال الجديدة. ويشمل ذلك تجنب الإفراط في استخدام فحل واحد، ومراقبة درجات القرابة، والمحافظة على الخطوط الأقل تمثيلاً، مع مراعاة الصفات الصحية والوظيفية.

ويمكن أن تسهم بنوك حفظ المواد الوراثية، مثل السائل المنوي والأجنة، في الاحتفاظ بخيارات تناسلية مهمة. لكنها لا تغني عن وجود مجموعات حية قادرة على التكاثر، ولا عن خطط طويلة الأجل لإدارة السلالات.

وتؤدي سجلات الأنساب وقواعد البيانات دوراً مهماً في هذا العمل. وتتيح قاعدة بيانات نظام معلومات التنوع الحيواني المحلي (DAD-IS) التابع لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة متابعة بيانات السلالات وأعدادها وتصنيفات المخاطر، وفق المعلومات التي تقدمها الدول.

ويحتاج نجاح هذه الجهود إلى تعاون المربين والباحثين والأطباء البيطريين والجهات المسؤولة عن تسجيل الأنساب. فالحفاظ على التنوع الوراثي لا يتحقق بقرار واحد، بل يحتاج إلى متابعة مستمرة وتحديث خطط التناسل وفق نتائج القياس العلمي.

الحفاظ على السلالة يتجاوز أعدادها

توضح حالات سورايا وكليفلاند باي والثوروبريد أن تراجع التنوع الوراثي قد يرتبط بأسباب مختلفة، من محدودية الأعداد والأسلاف المؤسسين إلى الانتقاء المكثف والاستخدام المتكرر لفحول بعينها.

ومع ذلك، يجب التمييز بين السلالة المهددة بالانقراض والسلالة التي تعاني تراجعاً وراثياً من دون أن تكون مهددة بالاختفاء. فلكل حالة مؤشرات مختلفة، وتحتاج إلى استجابة تتناسب مع طبيعة الخطر.

وفي نهاية المطاف، لا يقاس نجاح الحفاظ على الخيول بعدد الأفراد المسجلين فقط، بل بقدرة السلالة على الاحتفاظ بتنوع وراثي كافٍ، وصحة قابلة للاستمرار، وخيارات تربية تضمن انتقال خصائصها إلى الأجيال القادمة.

فقد تبقى السلالة موجودة أمام أعيننا، لكن جزءاً من تاريخها الوراثي قد يكون قد اختفى بالفعل. ومن هنا تبدأ أهمية الحفظ العلمي: ألا نكتفي بإبقاء الخيول على قيد الحياة، بل أن نحافظ أيضاً على التنوع الذي يمنحها فرص الاستمرار.

المصادر:

McGivney وآخرون، Genomic inbreeding trends, influential sire lines and selection in the global Thoroughbred horse population، مجلة Scientific Reports، 2020.

Genetic analysis of the endangered Cleveland Bay horse: A century of breeding characterised by pedigree and microsatellite data، مجلة PLOS ONE، 2020.

Genetic diversity and demographic structure of the endangered Sorraia horse breed assessed through pedigree analysis، مجلة Livestock Science، 2013.

منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO).

الشارقة تستضيف مهرجان الجواد العربي بمشاركة 223 خيلاً من الإنتاج المحلي

من المعلف إلى الأمعاء.. كيف يمكن لنظام التغذية أن يزيد خطر المغص عند الخيل؟

حين راهن الحصان على المستقبل وخسر أمام السيارة.. كيف صنعت 5 آلاف دولار ثروة هوراس راكهام؟

حين تتجاوز الحبوب حاجة الحصان.. كيف تتحول النشويات من مصدر للطاقة إلى خطر صحي؟

الرابط المختصر :