من ركوب الخيل إلى التأهيل: مبادرة جزائرية تفتح مساحة جديدة للأطفال المصابين بالتوحد والأمراض النادرة

من ركوب الخيل إلى التأهيل: مبادرة جزائرية تفتح مساحة جديدة للأطفال المصابين بالتوحد والأمراض النادرة
من ركوب الخيل إلى التأهيل: مبادرة جزائرية تفتح مساحة جديدة للأطفال المصابين بالتوحد والأمراض النادرة

جمعية “المستقبل” تطلق برنامجًا للعلاج بمساعدة الخيل، مستندة إلى تجربة بدأت عام 2013. وسط اهتمام متزايد عالميًا باستخدام الأنشطة المرتبطة بالخيول ضمن برامج التأهيل.

في خطوة تجمع بين التأهيل والعلاج والاندماج الاجتماعي، بدأت جمعية المستقبل للتوحد والأمراض النادرة في الجزائر برنامجًا جديدًا يعتمد على ركوب الخيل ضمن الأنشطة الموجهة للأطفال المنتسبين إليها.

وقد جاء إطلاق البرنامج بعد افتتاح ميدان مخصص للعلاج بالخيل داخل المزرعة البيداغوجية التابعة للجمعية، عقب اتفاقية تسلّمت بموجبها الجمعية فرسًا تبرعت به سيدة محسنة. كما تكفلت بتجهيز الميدان وفق المعايير المعتمدة للتدريب على ركوب الخيل.

وبحسب الجمعية، بدأ البرنامج فعليًا في 6 أكتوبر، ويستفيد منه أطفال من ذوي اضطراب طيف التوحد والأمراض النادرة، من المنتسبين إلى الجمعية وغيرهم.

وتأتي المبادرة في وقت يتزايد فيه الاهتمام عالميًا بما يعرف بـ”الخدمات المساعدة بالخيل” أو Equine-Assisted Services. وهي مجموعة من الأنشطة التي تستخدم التفاعل مع الخيل، ومنها الركوب والعناية بالحصان، ضمن أهداف علاجية أو تعليمية أو اجتماعية. لكن الأدلة العلمية الحالية تدعم استخدامها بوصفها جزءًا مساعدًا من برامج التأهيل، وليس علاجًا شافيًا للتوحد.

تجربة بدأت قبل أكثر من عقد

قال رئيس الجمعية، مولود موتشو، إن تجربة العلاج بالخيل بدأت لدى الجمعية عام 2013، وإنها أظهرت، بحسب ملاحظات الفريق، تحسنًا في بعض السلوكيات لدى الأطفال المشاركين.

وتعمل المبادرة الجديدة على دمج ركوب الخيل مع البرامج الأرطفونية والتأهيلية التي تقدمها الجمعية. ولهذا الغرض، استعانت الجمعية بمدرب متخصص يتولى تدريب الأطفال على ركوب الفرس، تحت إشراف فريق علاجي.

وتكمن أهمية هذا النموذج في محاولة الجمع بين نشاط حركي ممتع وبرنامج تأهيلي منظم. فالطفل لا يتعامل مع جلسة علاج تقليدية داخل غرفة مغلقة، وإنما يدخل إلى بيئة مختلفة تتطلب الانتباه إلى التعليمات، والتفاعل مع المدرب، والحفاظ على التوازن والتنسيق الحركي، إضافة إلى بناء علاقة تدريجية مع الحيوان.

لكن نجاح هذا النوع من البرامج يعتمد على طريقة تصميم الجلسات، وليس على مجرد ركوب الحصان. فالمفهوم الطبي لـ”العلاج بالخيل” يختلف عن النشاط الترفيهي أو دروس الفروسية التقليدية، ويحتاج إلى تحديد أهداف علاجية ومتابعة نتائجها بصورة منتظمة.

ماذا تقول الدراسات عن التوحد؟

ركوب الخيل مع البرامج الأرطفونية والتأهيلية التي تقدمها الجمعية
ركوب الخيل مع البرامج الأرطفونية والتأهيلية التي تقدمها الجمعية

توجد بالفعل أدلة بحثية تشير إلى فوائد محتملة للأنشطة العلاجية المرتبطة بالخيل لدى بعض الأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد.

فمراجعة منهجية نشرت عام 2024 درست 12 بحثًا حول تأثير الخدمات المساعدة بالخيل في الوظائف الحركية لدى الأطفال المصابين بالتوحد. حيث خلصت إلى وجود نتائج إيجابية في عدد من الدراسات، مع التأكيد على الحاجة إلى أبحاث أكثر قوة لتحديد حجم التأثير بصورة دقيقة.

كما خلص تحليل تلوي نُشر عام 2023 وشمل خمس تجارب عشوائية مضبوطة و240 مشاركًا إلى وجود تحسن ذي دلالة إحصائية في بعض جوانب المهارات الاجتماعية لدى الأطفال المصابين بالتوحد. بما في ذلك التواصل الاجتماعي والإدراك الاجتماعي. وفي المقابل، لم تظهر النتيجة نفسها بالنسبة إلى جميع السلوكيات المرتبطة بالتوحد.

إذ توصل تحليل تلوي آخر، نُشر عام 2022، إلى نتائج إيجابية في التواصل والوعي الاجتماعي والإدراك الاجتماعي والدافعية الاجتماعية. لكنه لم يجد دليلًا إحصائيًا واضحًا على تحسن بعض السلوكيات مثل التهيج والسلوكيات النمطية والكلام غير المناسب.

وهذه النقطة مهمة عند تقييم المبادرة الجزائرية. فالقول إن ركوب الخيل “يعالج التوحد” سيكون أوسع من الأدلة المتاحة. الأدق هو اعتباره تدخلًا تأهيليًا مساعدًا يمكن أن يستفيد منه بعض الأطفال وفق احتياجاتهم الفردية، إلى جانب التدخلات التعليمية والنفسية واللغوية والحركية المناسبة.

من العلاج الحركي إلى الاندماج الاجتماعي

لا تتوقف الفائدة المحتملة عند الجانب الحركي. فالطفل الذي يشارك في جلسة منظمة مع الحصان يتعامل مع مجموعة من التعليمات المتتابعة. وقد يحتاج إلى الحفاظ على وضعية جسمه، وتحريك يديه، والاستجابة للمدرب، والتعامل مع بيئة جديدة، والتواصل مع الأشخاص المحيطين به.

وهذه العناصر تجعل النشاط قابلًا للدمج داخل برامج تستهدف مهارات متعددة.

وتشير المراجعات العلمية إلى أن بعض الدراسات سجلت تحسنًا في المهارات الحركية والاجتماعية لدى الأطفال المشاركين في هذه البرامج. لكن جودة الأدلة تختلف من دراسة إلى أخرى، كما تختلف طبيعة التدخلات ومدتها والأهداف الموضوعة لها.

لذلك، فإن القيمة الحقيقية للبرنامج لا تكمن في وجود حصان وميدان فحسب، بل في قدرة الجمعية على تحويل النشاط إلى جلسات منظمة يمكن قياس نتائجها ومقارنتها بمرور الوقت.

الأسر ترى فرصة خارج المراكز التقليدية

ينظر بعض أولياء الأطفال المشاركين إلى افتتاح الميدان باعتباره فرصة لتوسيع الخيارات المتاحة أمام أبنائهم.

و نقل التقرير عن أولياء أمور إشادتهم بالمبادرة، مشيرين إلى صعوبة العثور على مرافق مشابهة، فضلًا عن ارتفاع تكلفة بعض البرامج المتخصصة عندما تكون متاحة خارج المؤسسات والجمعيات.

وقال ولي أحد الأطفال إن تجربة ابنه داخل الجمعية ساعدته، بحسب ملاحظته، على تحقيق تقدم في الاندماج التعليمي والاجتماعي، وصولًا إلى الالتحاق بالتعليم العادي.

وتكشف هذه الشهادات عن جانب آخر للمبادرة يتجاوز العلاج بمعناه الضيق، وهو توفير مساحة اجتماعية للأطفال وأسرهم، خصوصًا في الحالات التي تحتاج إلى برامج طويلة الأمد ومتعددة التخصصات.

السلامة والتخصص عنصران أساسيان

رغم النتائج المشجعة التي تظهر في بعض الأبحاث، فإن استخدام الخيل مع الأطفال الذين لديهم احتياجات صحية أو نمائية خاصة يتطلب إجراءات سلامة دقيقة.

وتشمل هذه الإجراءات تقييم حالة الطفل قبل المشاركة، واختيار حصان مناسب ومدرب على التعامل مع هذا النوع من الجلسات. ووجود مدرب متخصص، إلى جانب إشراف المختصين بحسب الهدف العلاجي.

كما ينبغي ألا تحل جلسات ركوب الخيل محل علاجات أو تدخلات أخرى يحتاج إليها الطفل. فالهدف الأفضل هو إدماجها ضمن خطة شاملة، عندما تكون مناسبة للحالة.

وهنا تظهر أهمية الخطوة التي اتخذتها جمعية المستقبل في الجمع بين المدرب والفريق العلاجي، لأن الفصل بين النشاط الرياضي والهدف التأهيلي قد يقلل من قيمته العلاجية.

مبادرة محلية في سياق دولي متنامٍ

لا تعد فكرة استخدام الخيل في برامج التأهيل جديدة. فقد توسعت خلال السنوات الماضية برامج العلاج والأنشطة المساعدة بالخيل في دول مختلفة، وركزت الأبحاث على تأثيرها المحتمل في الحركة والتواصل والمهارات الاجتماعية.

لكن المجال ما زال يحتاج إلى مزيد من الدراسات ذات العينات الكبيرة والمنهجيات الأكثر صرامة. وتشير مراجعة علمية حديثة إلى أن الأدلة المتعلقة بالنتائج الحركية لدى الأطفال المصابين بالتوحد واعدة، لكنها لا تزال تحتاج إلى تطوير منهجي.

كما أن مصطلح “العلاج بالخيل” يشمل أنشطة مختلفة. فهناك Hippotherapy التي تستخدم حركة الحصان ضمن تدخل علاجي يقوده مختصون في العلاج الطبيعي أو الوظيفي أو النطق واللغة وفق أهداف محددة. وهناك “ركوب الخيل العلاجي” الذي يركز بدرجة أكبر على المهارات الجسدية والاجتماعية والتعليمية من خلال ركوب الخيل.

ولهذا فإن تحديد نوع البرنامج وأهدافه وطرق قياس نتائجه سيكون مهمًا في تقييم التجربة الجزائرية مستقبلًا.

خطوة صغيرة نحو نموذج أوسع

مصطلح "العلاج بالخيل" يشمل أنشطة مختلفة
مصطلح “العلاج بالخيل” يشمل أنشطة مختلفة

يمثل افتتاح ميدان العلاج بالخيل لدى جمعية المستقبل تجربة محلية في مجال لا يزال يتوسع عربيًا ودوليًا.

والأهم في هذه التجربة ليس عدد الأطفال الذين سيشاركون في البرنامج فقط، بل القدرة على توثيق النتائج بصورة منهجية: ما المهارات التي تحسنت؟ لدى أي فئات من الأطفال؟ بعد كم جلسة؟ وهل تستمر النتائج بعد انتهاء البرنامج؟

إذا تمكنت الجمعية من جمع هذه البيانات بالتعاون مع مختصين في العلاج والتربية الخاصة، فقد تتحول المبادرة من تجربة أهلية محدودة إلى نموذج قابل للتقييم والتطوير والتكرار.

وفي النهاية، لا يقدم الحصان علاجًا سحريًا للتوحد أو الأمراض النادرة. لكن التفاعل المنظم معه يمكن أن يشكل أداة إضافية في منظومة أوسع من التأهيل، تجمع بين الحركة والتواصل والتعلم والاندماج. وهذه هي الزاوية التي تمنح المبادرة أهميتها الحقيقية.

 

المصادر

بركة نيوز

PubMed

ScienceDirect.

إسطبلات تعليم ركوب الخيل توسّع قاعدة الفروسية في القصيم

رحيل «سيزار» يترك أثرًا في ذاكرة الفروسية الجزائرية

هجن الرئاسة تتوج بكأس الحول في ختام كأس الاتحاد السعودي للهجن 2026

محافظ الطائف الأمير فواز بن سلطان بن عبدالعزيز يشهد ختام النسخة السادسة من كأس الاتحاد السعودي للهجن

حين تعود الخيول إلى ساحة الحرب.. لماذا تعيد الجيوش النظر في سلاح الفرسان؟

نجران تبحث تحويل قطاع الخيل إلى فرص استثمارية جديدة

الرابط المختصر :